(اليــــــاس أبـــــو شبكــــــة (1903 – 1947

  (اليــــــاس أبـــــو شبكــــــة (1903 – 1947    

أ – تاريخـــه :

ولد الياس أبو شبكة سنة 1903 في بروفيدانس بالولايات المتحدة، وذلك في أثناء رحلة قام بها والداه في تلك البلاد. ومن هناك انتقل به أبواه إلى باريس ثم إلى الذوق إحدى قرى قضاء كسروان، فنشأ – على حدّ قول مارون عبّود – ” في بيت مستور، وهو حارة تدلّ على يسر صاحبها، فحيطانها مدهونة، وأرضها مفروشة بالبلاط الرّخامي، وغرفها واسعة وعالية، والدار فسيحة. وهذا هو طراز البناء البرجوازي اللبناني؛ كأنما أعدّ ذلك البيت الرفيع العماد ليأوي إليه شاعر ثائر شقي، بائس تأبى عليه أنفته أن يظهر أمامك في مباذله، فاستطاب شقاءه، والشقاء هو الحياة بل لا لذّة للحياة إذا لم يكن الشقاء “. وفي سنة 1912 اغتيل والده في ديار الغربة، فكان للنبأ أثر بليغ في نفس الفتى لأنه كان يحب والده حباً كبيراً، وكان هذا الجرح فاتحة عهده بالشقاء. ولقد ظهرت آثار هذا الجرح في ” القيثارة “، باكورة أبي شبكة حيث الكآبة المرّة، والسواد الصفيق المعذّب

بدأ أبو شبكة يتلقّن العلم في مدرسة عينطوره سنة 1911 ، وبقي فيها حتى سنة 1914، سنة اندلاع نار الحرب الكونية الأولى، فترك المدرسة وانصرف إلى بناء ذاته على نفسه. ولمّا وضعت الحرب أوزارها دخل مدرسة الإخوة المريميين في جونيه حيث قضى سنة واحدة، عاد بعدها إلى مدرسته الأولى فصرف عامين، طلّق بعدهما حياة التلمذة وذلك سنة 1922 وانطلق في ميدان الحياة، يعاني من الفاقة مرّها، وتأبى نفسه الكبيرة إلا أن يأكل خبزه بعرق جبينه وعصارة قلبه ونزف قلمه، دون تذلّل أو استعطاف.

بحث عن الوظيفة في دوائر الحكومة فعاد بالخيبة والفشل، وظلّ هكذا والفقر يلاحقه، وشكواه الصريحة من نفاق الناس وقسوة الأيام، يعلنها في رسائله إلى أصدقائه، والى خطيبته، وعلى صفحات الأوراق التي يبوح لها بأسرار نفسه الناقمة.

ولم يكن الشعر، وان جيداً، ليسدّ عوزاً ويعيل محتاجاً، لذلك كان لا بدّ من مهنة يعتاش منها، فلجأ إلى التعليم، مهنة أكثر الأدباء في عصره. فعلّم في معهد اليسوعيين، ومدرسة المقاصد الإسلامية، ومدرسة الفرير ولكن نفسه لم تجد في أجواء المدارس راحتها واستقرارها، فترك التعليم إلى غير عودة.

كان أحد مؤسسي «عصبة العشرة» وهي جمعية أدبية انضوى تحت لوائها خليل تقي الدين وتوفيق عواد وكرم ملحم كرم وميشال ابي شهلا وفؤاد حبيش وسواهم من أدباء النهضة الحديثة.
  ثم انصرف إلى الصحافة يهبها كلّ وقته وطاقاته. فكان يكتب في جرائد عدّة لبنانية ومصرية، ينشر الروايات المتسلسلة، ويصحّح الأخبار المحليّة، ويكتب التعليقات السياسية والمقالات الاجتماعية، ولقد أظهر في كل ما كتب نضجاً وجرأة وصراحة قلمّا عرفتها الصحافة إلا في الأفذاذ من أقلامها.

وبالرغم من أنّ الصحافة كانت تلتهم وقته وجهده، فانه لم يكن يستطيع أن يهدّىء غليان نفسه وثورة الشاعرية التي نفحت الأدب بأينع الثمار وأغلى الكنوز.

ويوم ترك الصحافة، وكان ذلك قبل أن ينطفئ السراج بقليل، انصرف إلى إدارة الإذاعة اللبنانية في آخر عهد الانتداب.

ولقد أرهق العمل جسده وهو بعد في نضارة العمر، كما أرهق التفكير قلبه، فارتمى، دون تذمّر، فريسة الداء القهّار، الذي صرعه في 27 كانون الثاني سنة 1947 ، فكان لغيابه دويّ ترددّ في لبنان والمهجر، ولمعت في عين الشعر دمعة صادقة على شاعر من عمالقة هذا العصر.

ب – أدبـــه :

تنوّعت نشاطات الياس أبي شبكة، وقد جال في ميادين كثيرة فترك للمكتبة العربية نحو ثلاثين كتاباً ما بين موضوع ومترجم. وأشهر ما له سبع مجموعات شعرية هي : ” القيثارة ” و ” أفاعي الفردوس ” و ” الالحان “، و ” نداء القلب ” ، و ” إلى الأبد ” ، و ” غلواء “، و ” من صعيد الآلهة ” ؛ وله في النثر ” الرسوم ” وهي مجموعة صور قلمية لرجال الأدب والسياسة والإدارة في لبنان، و ” روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة ” في النقد والتاريخ الأدبي. وله إلى جانب ذلك عدد كبير من الكتب المترجمة ” كالبخيل “و ” المثري النبيل ” و ” مريض الوهم ” لموليير الفرنسي، و ” جوسلين ” للشاعر الفرنسي لامارتين ، و ” ميكرو ميغاس وثلاث قصص ” لفولتير…

القيثارة : هي المجموعة الأولى من شعر أبي شبكة، نظمها وهو دون الثانية والعشرين من عمره، وفيها نحو ثمانين قصيدة ومقطوعة أصدرها سنة 1926 ، وهي، وان حفلت باضطراب الأسلوب، وضعف اللغة، وان كثر فيها التقليد لشعراء من الغرب والشرق، وان عصفت فيها الروح الجبرانية والعلائية، تدّل على شاعرية حقيقية في طور التكوّن الذاتي، وفي طور النمو الطّموح.

شعر القيثارة هو شعر الرومنطيقية التي عاشها الشاعر في مطلع حياته مع الفرد دوفينيي والفرد دو موسّه ولامرتين وغيرهم، شعر الألم والتشاؤم واللجؤ إلى قلب الطبيعة وقلب المرأة هرباً من فساد الناس، لجوءاً فيه مزيج من سعادة وعذاب، وفي أكنافه كثير من التأمل والانهيار النفسي. قال في ” أغنية المغيب ” :

أسجــدي لله، يـا نفســي، فقــد وافــى المغيـــب
واستريحــي مـن عنـاء الفــكر، فالفكــر رهيــــــــب
واستــري الآلام حينــاً بــابتسامــات الحبيــــــــــب
فغــداً ترجــع آلامــــك، والآتـــــي قـــريــــــــــــــب

* * *

اسجــدي لله واسلـــي فتــرة ذكـــرى العــــــــذاب
قبلمــا تزحـــف فـــي الوديـــان أشبــاح الضبـــــاب
واستعيــدي ذكريـــات لأويقـــــات عــــــــــــــــذاب
لــم يكــن ماضيــك كالحاضـــر دمعـــاً ونحيــــــــب
أسجــدي لله يــا نفســي فقـد وافــى المغيــــب

* * *

اسمعـي الأجـراس مـن قبــّة ديــر الراهبــــــــات
حمـل الـوادي صداهــا للنفــوس الـزاهـــــــــــدات
فهـي أنــّات صـــدور وبقـــايـــا زفــــــــــــــــــــرات
صعّدتهــــا راهبـــات الديـــر قــــدام الصليــــــــــب
أسجـدي لله يــا نفســي فقــد وافــى المغيـــــب

أفاعي الفردوس : هي مجموعة قصائد أصدرها الشاعر سنة 1933، وهي تعدّ قمةً في رحلة الياس أبي شبكة الشعرية؛ ثلاث عشرة قصيدة رسم فيها لوحات حيّة لمعانيات نفسية، كان فيها الكلام كلام الواقعية الصاخبة الذي يجسم الحياة الدنيا تشهيراً لها وانتقاماً منها. قال ميخائيل نعيمة : ” لا أرى شاعرنا بلغ قمّة شاعريته إلا في ” أفاعي الفردوس “، فهذه المجموعة هي بحقّ تحفة نادرة في شعرنا العربي، وما أعرف شاعراً من شعراء عهدنا الجديد يستطيع أن يأتي بمثلها، أو أن يدانيها في وصف الشهوات الجسدية الجامحة “.

شعر ” أفاعي الفردوس ” صوت للحياة معرّاة، وصورة للجماح الشهواني في أشدّ ما وصل إليه، وذلك في غير تبذّل ولا تكلّف ولا رئاء؛ وفي هذا الشعر ينتزع أبو شبكة من أعماق النفس البشرية كوامن الشهوات وينشرها في لهجة صريحة وجريئة، ينشرها لا للإغراء بها، ولا لتحسينها في أعين الناس، بل لانتزاع الفاسقين من قاذورات فسقهم، وابعاد الضعفاء عن مزالق الرجس، وتحبيب الفضيلة إلى الناس أجمعين. قال رزوق فرج رزوق : و ” أفاعي الفردوس ” بعد هذا شعر مبتكر الطابع… فهو فتح جديد في شعرنا المعاصر، وطريق مهدّتها خطى شاعر واكب عنف شعوره وقلق نفسه جرأة في القول وصمود للتحدّي. وعلى هذه الطريق سار فيما بعد شعراء كانوا من قبل إذا أحسوا العاصفة الهادرة في أعماقهم
تودّ أن تستحيل شعراً عمدوا إليها فقلّموا أظفارها، وألبسوها قناعاً يستعيرونه من بني عذرة، ثم خرجوا بها على الناس كماء النبع صفاءً وكأزهار آذار وداعة…”.

غلواء : ” هي قصة غنائية شعرية تدور حول فتاة اسمها ” أولغا ” نقل الشاعر أحرفها من مواقعها، وكان من هذا القلب اسم ” غلواء “. كانت جارة الشاعر وصديقة شقيقته فعلقها وعلقته، وقد خطبها أكثر من تسع سنوات، وفي كانون الأول من سنة 1931 تزوّج الخطيبان. وهكذا كانت ” غلواء ” مصدر وحي الشاعر مدّة حياته الشعرية، وكانت بطلة ملحمته التي أطلق عليها اسمها. قال أبو شبكة : ” أردت أن أنظم قصيدة أو رواية شعرية ذات أناشيد أضمّنها بعض المشاهد الحيّة من البيئة التي أعيش فيها كظلم الإنسان للإنسان، وتمّرد القوي على الضعيف، وهذيان السياسات المريضة، واستسلام الشباب إلى شهواته، وآتي بها على لمحة عن فتاة هذا الزمن التي يدفعها زخرف الحياة إلى مستنقع الحب القذر فتتمرّغ فيه فترة من الأيام ثم تستفيق على صوت الضمير إلى حقيقة الحبّ، ولكن بعد فوات الأوان.

في رواية ” غلواء ” أربعة أقسام هي مراحل القصص : في القسم الأول مقدّمة تعريفية تنتهي بالرؤيا، يصف فيها الشاعر خليلته وصفاً يمتزج فيه جمال غلواء بجمال الطبيعة. وفي القسم الثاني عذاب الضمير : غلواء تعرض عن الشاعر وتذوب أسى وندامة، والشاعر فيه ” من الأشجان ما يضني قواه “. وفي القسم الثالث عهد التجلّي وفيه تظهر حقيقة العمر وأن السعادة لا تبلغ إلا عن طريق الجلجلة. وفي القسم الرابع عهد الغفران، عهد التصافي والقبلة المقدّسة. يرجع الحبيبان إلى هيكل الحبّ، ويلتقيان على الوفاء، ويجعلان ممّا مضى طريقاً إلى العفاف والتقوى :

غلــواء ، فــردوس الحيــاة ههنـــا فأنــت لــم تزنــي بـل الوهــم زنــى
  احتفظي بقدس تذكــار الشقــــا فهــو طريـــق للعفــاف والتقــــــــــى
  ان الشقاء سلّــم الــى السمـــّا فعــدن ميـــراث لمـــن تــألّمــــــــا…

رومنطيقية الياس أبي شبكة :

ان الروح التي يعبّر عنها الشعراء الرومنطيقيون هي روح جديدة، تعذّبها مسألة الخير والشرّ، وينمو فيها الإحساس بالمطلق الذي لا يحصر نظره ولا ترضيه سعادة الأرض، ويزلزلها الصراع فتنتشي بجمال الكآبة، انها روح شعورية وليست عقلانية، فهي مصنوعة قبل كلّ شيء من العاطفة، هذه العاطفة التي تحطّم القيود لتسرح في دنى الحرية، وتقود هذه الحرية تلقائياً إلى الفردية لأن الفنّان لا يستطيع أن يخضع للقواعد العامة، بل يجسّد ما في نفسه حسب مزاجه الفنّي. انّ طبيعة الفنّان الذاتية هي القاعدة الوحيدة التي يدين بها، وهو لا يأخذ من المبادئ التقليدية إلا ما ينسجم مع هذه الطبيعة الذاتية، ويرفض الباقي باصرار، فهو لا يتناول إلا مشاكله الحميمة، يتبنّاها، ويبوح بها. ومشاكله هي عواطفه وانفعالاته، لا أفكاره ومبادئه. وهل هنالك من مشكلة حميمة شخصية أكثر من الحبّ ؟ من هنا هذه المكانة الكبيرة للحبّ في الأدب الرومنطيقي، وانصراف الشعراء اليه انصراف عبادة. والحبّ في نفس الشاعر الرومنطيقي صراع؛ صراع بين الصورة التي يحبها الشاعر والحبيبة التي يتمنّى لو تمثّل هذه الصورة؛ وهذا الصراع يفجّر الألم، وينسج سحب التشاؤم والمرارة والسويداء في أجواء النفس التّواقة إلى صفاء الجمال وعذوبة الحبّ وهناءة السعادة.

وفي غمرة الإحساس بالألم، يصعّد بالألم، يصعّد الشاعر زفراته المحمومة الثائرة، فاذا الوجود قاتم كئيب، واذا كلّ شيء جميل وقد غلّفته ضبابات الجراح المعذّبة والمشاعر المكلومة، واليأس المرهق المذيب.

هذه حال أبي شبكة، هذه حكايته مع الحبّ، هذه جراح قلبه الذي لم يظفر بالطمأنينة فمزّقه حروفاً تصوّر حقيقة أحاسيسه.

والواقع أنّك لا تستطيع الفصل بين الحبّ والشعر عند شاعر ” غلواء ” فالحبّ عنده مادّة الشعر، والشعر عنده أغنية الحبّ. وشاعرية أبي شبكة كما يقول جورج غريّب هي بنت المرأة ” فهي التي ألهبت عروقه وملكت عليه الرمق. هي سبب الذهول فيه وسبب الانقباض والريبة. شعره أصداء نطقها. فهي الوهج في ألوان كلامه. اغترفت عيناه من عينيها فلم يغتصب حبر الكلام. علّمته أنّ أعذب الشعر ما صدق. وأنّ أخلص الفنّ من الوجدان. أفرغ عطرها في دمه فعلى شعره عبير منها منهمل فلولاها لجفّ الشعر في كبده، ولعاش لا حبّ ولا أمل، ولم يكن له شعر ولم تكن آداب، فاذا أغلق قلبه وأهدابه فعلى م تحبّ. وكلّ ما عدا الحبّ في نظره حطم لا تتجمعّ “.

وأبو شبكة شاعر الإحساس العنيف والثورة الصاخبة، ثورة العاطفة المتّقدة يصيح من غليانها :

اجرح القلب واسق شعرك منه فــــدم القلـــب خمـــرة الأقــــلام

والإحساس عند أبي شبكة انصهار كيان، فهو يكتب ” بيده المرتعشة، بمعصمه وساعده، بعينيه وأخاديد جبهته وتمتمات شفتيه وهزّات كتفيه، بخفق قلبه وصفاء روحه، بنبضات عروقه ووثبات ضلوعه، بآلامه وأحلامه، بصدقه واخلاصه وايمانه، بلهب دموعه ولهيب دمه وأعصابه، بوعيه وجنونه، بجمع كيانه، فاذا الريشة بين الأنامل عرق ينّز وضلع ينزف، والقرطاس أمامه ذوبان شموع وهزج أشرعة. واذا بأشلائه على الورق. وبتقطع أنفاسه وأسلاك مقلتيه. اذا به كلّه تجسيد على صفحات تركها للتاريخ حمراء ذكية طاهرة “.

انّ الميزة الواضحة التي طبعت الشعر الرومنطيقي هي الحرية في الفنّ التي تتصدّى للقاعدة والتقليد، وتسمح للشاعر بأن يخلق الشكل الذي ينسجم مع ذوقه الشخصي وعبقريته الفردية. غير أنّ هذا لا يعني الضعف الفنّي، فلقد ربح الشعر من هذه الحرية كثيراً إذ انصرف الشعراء، بعد أن تخلّصوا من القيود الخارجية، إلى تعميق التجربة الداخلية، واضطّر الشعراء إلى التخلّص من الصناعة، فلم يبق هنالك ما يميّز الشعر الخالد من ا لشعر الرديء سوى عمق الحسّ الشعري والمعاناة النفسية، ولم يعد باستطاعة الشاعر أن يخفي هزال الموهبة تحت ستار الجمال اللفظي، ولذلك لم يعد الشعر ” لعبة ” لها أصول وأقيسة. لقد أصبح شيئاً جوهرياً، وعلاقة سرّية بين واقع الأشياء الغامضة والنفس. ولم يعد الفنّ ثوباً نخلعه على الطبيعة لنزيّنها. لقد أصبحت الطبيعة نفسها عارية.

وهكذا يمكن اعتبار الأسلوب الرومنطيقي أسلوب الحرية والموسيقى واللون والحياة المجسّدة في الصور المؤثرة بعنف واقعيتها.

وهكذا نرى أبا شبكة يجمع هذه الخصائص في أسلوبه، فيثور على القيود القديمة ويتحرّر من الزخرفة، ويبعث في أبياته أصداء نفسه المضطربة في جزرها ومدّها.

*
مقتطفات من شعر الياس أبو شبكة

الحـــــرّ

فأغمــد الحــر فــي عينيــه فوهــــة

من ناظريـــــه ، كبـركــان ببــركـــــــــان

وقال: “ملكك ليس الشعب، يا ملكي

فلست تملك الاّ بعض عميــــــــــــــــان

كن من تشاء، كن الدنيـا بكاملهــــــا،

فلست تعدل صديقـــاً بمــيزانـــــــــــي

جمال قلبي عريان علــى شفتــــي

ونور نفسي معقــود بــأجفانــــــــــــي

وكيف أكذب ، والدنيا تصــارحنــــــي

حتى قشوري ، حتى جسمي الفاني

أنظر الى النهر في صفو وفي كــدر

فهل تخفى على الصفصــاف والبــــان ؟

وانظر الى حرمون الشيخ كيف بـدا

فهل لهيبتــه الشمــاء وجهــــــــــــان

فذلك الجبــل الجبـاّر أطعمنــــــي

قوت النسور ، وهذا النــهر روانـــــــي

خفف عتوك واغسل قلبك الجاني

للظلـم يـوم وللمظلـــوم يـومـــــــــان

ما كان سلطان هذا الشعب سيده

ان السيادة ما احتاجــت لتيجــــــــان

*
يــا بـــــلادي

يا بـلادي لــك قلبـــي لــك آمــالــي وحبـــي

وجهـــــادي
با بـــــلادي

ينشر المجد عليـــك رايـة مـن مفـرقيــــــك

وينادي : يا بلادي

عـبــق الالـهـام فـيــــك مالىء أرضك أعراف السماء
يـتـمـشـّى فـي بـنـيــك فهم أمس ملوك شعــــــراء

ورعـــاة أنبيــــــاء
وأبــاة حلفـــــــاء
وهــم اليـــوم معـــادي
يا بــــلادي

قـالـت الـدنـيا : جـبـيـني لـم يكـن لـو لـم تكـونــــي

أنـت كالفجـر فتيــــــه

أنـت كــالشمس غـنـيه لم يهن في راحتيك الذهب
يأخذ الشعر رويـــــه منك والحكمة فيــــك الأدب

طهري اليوم دمي
وغداً كوني فمـي
يسترح فيك رمــــادي
يا بــــلادي

*

منتخبات من العهد الثالث من ” غلوا “.

أيهــا الفاتحــون فـي الأرض طــــرّا أيهـا الشاربــون كــأس الـدمـــــــــاء

أيها الشاخصون للكــون سخــــــراً مـن خــلال القــذائــف الصمــــــــــاء

ودمــاء الضعـــاف والأبــريــــــــاء

قد عرفتم مجد العروش العظيمـه وطليتــم تيجــانكـــم بــاللبـــــــــــان

وعشقتم من الجمــال نجومـــــه وارتديتـــم مطـــارف الأرجــــــــــــوان

ولعبتــم بالدهـــر والتيجـــــــــان

وافتتحتم ملك الثرى بالصـــوارم وسكرتــم بخمـــرة الانتصـــــــــــــار

وشربتم دم الورى بالجماجــــم واختصـرتــم صفائــح الأعمــــــــــــار

بيــراع مـــداده مـــن نـــــــــــار

ذقتم الراح في اختلاف كؤوسه وتفلتــم علــى يــد العصّـــــــــــــــار

ما تركتم للشعب غير رموسـه وظمـــاء الأحشــــــاء للخمّـــــــــــار

وسقاط الطلى لبعض الجـــواري

وعرفتم في المجد كلّ الأماكن وقصــــارى لــذّاتـــه الحــمـــــــــــراء

وعرفتم حتّى الغيوب ولكـــــن ما عرفتم فـي المجـد نـور السمـــاء

منحــة الآلهــــات للشعـــــــــراء

*

صــــلاة المغيـــــب

اسجــدي للـــّه يـا نفســـي فقـــد وافـــى المغيـــــــــب !

هوذا الفلاّح قــــد عـــــــــاد مــن الحقــل الجميـــــــــــل

في يديه المنجل الحاصــــد والــــرفــــّش الطـــويــــــــل

وعلى أكتافــه حمـــــــــــل مــن القمـــح ثقيــــــــــــــل

فهو تعبان وفــي عينيــــــه آثـــــــــــــار اللهيـــــــــــــب

أسجدي للّـه يـا نفســــي فقــد وافــى المغيـــــــــــب !

أسجدي للّــه واسلــــــي فتــرةً ذكـــرى العـــــــــذاب

قبلما تزحف في الوديـــان أشبـــــــاح الضبــــــــــــاب

واستعيــدي ذكريــــــــات لأويقـــــــــات عـــــــــــذاب

لم يكن ماضيك كالحاضـر مرتــابـــاً كئيـــــــــــــــــــب

أسجدي للّه يا نفســـي فقـــد وافـــى المغيــــــــب !

اسمعـي الأجـراس في قبـة ديـر الـراهبــــــــــات

يحمل الوادي صداهــــا للنفـــوس الـزاهـــــــدات

فيـه أصــوات حنــــــان وبقــايــا زفـــــــــــــــرات

صعدتها راهبات الديــر قـــــــدام الصـليــــــــــب

أسجدي لله يا نفسي فقــد وافـــى المغيـــــب !

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s