مقابلة من الذاكرة – الأب لويس الحاج”:الألحان السريانية أعتق من بعلبك”

حاورته مي منسى

من أين استهل الكلام عن الأب لويس الحاج؟ أمن “نقطة في المحيط” ديوانه الشعري العابق بتأملات ميتافيزيقية عميقة؟ أمن تلك النقطة التي منها انطلق هذا الراهب العالم بالموسيقى واللاهوت لتغدو أعماله الموسيقية محيطاً تنهل منه الاجيال تاريخ الالحان المارونية منذ لعثماتها الاولى في العصور القديمة، الى ما أصبحت عليه في يومنا هذا؟ من أين ينبغي الكلام عنه؟ أمن بداية دعوته الرهبانية أم من المسار المديد الذي قطعه بالسهر والجهد موازياً بين نداءي اللاهوت والموسيقى وكلاهما تكوّن في نسيج واحد على هذا النول من الابحاث والتنقيب الاركيولوجي ينتشل من تربة الزمن ما غنّاه الاجداد في المناسبات، في المآتم والاعراس، في الافراح والاتراح، منذ البدايات المسيحية في المشرق أولاً ثم في المغرب؟

عالم في اللاهوت، عالم في الموسيقى المقدسة من التراث الى الحداثة، متوّجة أبحاثه ومؤلفاته بشهادات دكتوراه عدة. استاذ في تاريخ الموسيقى واللغات اللاتينية الكلاسيكية، هذا الراهب القليل الكلام، الكثير العطاء هو لويس الحاج، إبن جامعة الروح القدس الكسليك، المعروفة منذ أكثر من نصف قرن لصرحها العالي القائم على تشجيع الدعوات والمواهب وصقلها في كل الميادين اللاهوتية والفلسفية والموسيقية والفنية، خدمة لله والبشر.

مذ عرفته في السبعينات مديراً لجوقة جامعة الروح القدس ومسؤولاً عن المعهد الموسيقي فيها، وأنا في شوق لتتبع مسار غني بالوحي والعطاء، والحبات في سبحته لا تحصى، بدءاً من تحصيله العلمي الطموح في الفلسفة واللاهوت وفقه اللغة وعلم الموسيقى، الى احترافه التعليم في مادة تاريخ الموسيقى ثم استاذاً في علم الموسيقى ومدرباً لجوقة جامعة الروح القدس بحسب أسس كورالية أكاديمية عالية. ولم تكتف مؤهلاته الجمة بالتفرّغ للموسيقى، إذ عيّن عميداً لكلية الآداب في جامعة الروح القدس، ثم رئيساً لها حتى عام 1992. ولم تقف كل هذه الاهتمامات عائقاً أمام طموحاته الموسيقية، راعياً عن كثب كلية الموسيقى والمعهد العالي للموسيقى الذي كان أسسهما عام 1970

الرجل الذي استقبلني في مكتبه  لا يزال بوجهه الطافح هناء وسكينة، ذلك الذي كلمني عن مشاريعه الموسيقية في السبعينات وكان سن الشباب آنذاك رفيقه في العتمة والنور ولا يتعثر. ما الذي تغير اليوم والخط اللاهوتي الموسيقي الذي رسمه مع رسامته راهباً يغدق عطاء على المكتبة الجامعية التي تفخر بالموسوعة المارونية المؤلفة من عشرة مجلدات، والتي لازم بناءها منذ المجلّد الاول عام 1992؟

موسيقي وضع مؤلفات تعتمد عليها الاجيال الطالعة من كتابه الاول “موسيقاي الاولى” في الستينات و”الموسيقى الغربية والشرقية” في السبعينات، الى “نظريات الموسيقى الغربية” في التسعينات. وإذ يُنظر الى هذه المؤلفات ككراسات لصفوف الموسيقى فإن للأب لويس الحاج كتباً هي من جوهر ابحاثه الليتورجية، نذكر منها “الترتيل في الكنيسة المارونية” و”أنصاب الترتيل الماروني” من ثلاثة مجلدات، الى تحليل ومراجع وتصنيف اللحن الماروني، فديوان التراتيل السريانية – المارونية، كما المجاز في اللحن السيرو- ماروني.

• هل الموسيقى دعوة كما الكهنوت؟

– لم أكن اعرف من الموسيقى شيئاً قبل دخولي الى مدرسة سيدة مشموشة في الاربعينات. شعرت بافتتان لدى سماعي الالحان الكنسية على الهرمونيوم. كنت ألاحق بشغف الاصابع تروح وتجيء على الكلافييه، وأتمنى في سري أن ألمس بيدي هذا الشيء السحري الذي منه النغم. أذكر، وكنت اصبحت في الثالثة عشرة، أني كنت أرسم على ورقة ملامس البيانو وامرر عليها أصابعي فيأتيني من البعيد صوت الهارمونيوم الآسر. إنتظرت الخامسة عشرة من عمري، وكما كان الانتظار طويلا لأباشر درس الموسيقى في كتاب النظريات “دان هاوزر”. ولتعمق أكبر مضيت الى راهب في بزمار أخذني على عاتقه حتى أصبحت قادرا على العزف ومتمكنا من النظريات.

•أفهم من مسارك هذا أن مؤسسة الروح القدس تعي تشجيع المواهب؟

– ما دامت تخدم الدعوة الروحانية وخدمة الكنيسة. ففي الخمسينات وفي اقامتنا في الكسليك تمكنت من دراسة الموسيقى على المعلّم الكبير روبيار الذي قوّاني بالسولفيج والعزف على البيانو، حتى اصبحت اهلا لأن أدخل المعهد الوطني للموسيقى، حيث تسنى لي ان أدرس الهارموني على الاستاذين بوغوص جيلاليان ونيكولا دال.

• هل كنت تعلم آنذاك ان المشوار طويل سيأخذك الى ينبوع الموسيقى الليتورجية؟

– كنت أخطو الخطوات بتأن وثقة وأنا في حال من الافتتان مما أتلقاه. وكم كان حظي كبيرا حين وصلت الى روما بعدما حصلت الدرس السابع في الموسيقى. في برنامجي كان درس اللاهوت وتكملة اختصاصي الموسيقي في معهد الموسيقى الحبرية للموسيقى المقدسة. وبعد روما كانت السوربون حيث رسالتي الاكبر تحضير دكتوراه في علم الموسيقى والتاريخ.

• كيف تم انتقالك من اجواء روما الحبرية الى باريس؟

– الاجواء منفتحة في السوربون اعطتني المجال الذي كنت أطمح اليه، وهو الدراسات العليا للبحوث. هذه التجربة المثيرة اوصلتني الى شهادة في الموسيقى الاتنية.

• وهل ثمة موسيقى إتنية معينة كانت في تجربتك هذه؟

– بل موسيقات العالم كله لذا بعد السوربون جلت في اوروبا واميركا والمكسيك والبرازيل لاستطلع المعاهد الأنتو – موسيقية، ولاسيما البرازيل، وقد وجدت في معهد مريه في بيلين القائم وسط الأمازون كل موسيقى الشعوب المقيمة في الأمازون. موسيقى بتول لم تمسها يد التجديد، شبيهة بالطبيعة التي تمشيت بين غاباتها.

رئيس الجمعية العالمية للموسيقى المقدسة

• المسؤوليات الملقاة عليك كثيرة وتلبي مطالبها بهذه السعة التي طالما عرفناها فيك. فعدا مكانتك استاذاً ومديراً للبحوث الموسيقية في الكسليك، شغلت منصب عضو في الجمعية ورئيسا للمؤتمر الدولي للموسيقى العربية الدولية في التسعينات، وانتخبت رئيسا للجمعية العالمية للموسيقى المقدسة.

– هذه الجمعية تضم اربعين بلدا كان شغلها دراسات الموسيقى الدينية وتنويطها وتسجيلها بمساعدة المانيا والبرازيل. هذه الجمعية مركزها في كولون وتحتوي على قسم متخصص بالموسيقى الاتنية التي جمعناها من اربعين بلدا. اما مرجعها فروما والبابا هو من يعين رئيسها. وكان شرف لي ان انتخب رئيسا فيها للمرة الثالثة. هنا في لبنان اقمنا ثلاثة مؤتمرات عن الموسيقى المقدسة، وما من مؤتمر الا ويصبح كتابا للنشر وتوعية المثقفين على الامور الدينية.

• ويبقى اختصاص الاب لويس الحاج الموسيقى المارونية.

– الموسيقى المارونية القديمة. ما يجري اليوم لا يهمني. الموجات العابرة لا تعني لي شيئا. المهم المجلدات العشرة عن الموسوعة المارونية التي هي مرجع للاختصاصيين في العلم كله. رسالتي توعية تراثية اكاديمية للشباب الذين باتوا يرتلون على الايقاعات المكهربة. لهم حققت كتبا سهلة بالانكليزية. اما اختصاصي الآخر فهو الموسيقى المقدسة اجمالا. وأشير الى ان بعض المدارس المذهبية تمنع الموسيقى من طقوسها، كالكالفانيين والسوينغليين المتشددين، ما عدا لوثير وكان موسيقياً وجاء باخ يعيد الى الموسيقى الليتورجية هيبتها ومن بعده البندكتيين الذين ادخلوا الغناء الغريغوري مع الاورغ. امور كثيرة كان لا بد من التذكير بها من جملة العناصر للاحتفال بالله.

• في تعاملك مع طقوس الكنيسة اصالة لم تفسد الايام صباغها.

– للاحتفال بالله عناصر كثيرة تلتقي مع التراتيل والموسيقى، كالبخور مثلا، ان لم يكن من اجود الانواع منع دخوله عن المبخرة، كذلك الشموع يجب ان تكون من شهد النحل لا من الشحم الحيواني. انا متمسك بهذه الطقوس التي هي هدية لله، حتى في زجاج الكنائس الملون والاورغ الحقيقي، لا “الكي بورد”. في المانيا لكل كنيسة أورغ بأنابيبه الكفيلة باعطاء الموسيقى الليتورجية اصالتها. هكذا يترك الانسان نفسه الارضية ويتماهى الى فوق.

• كيف كان تعاملك مع الالحان السريانية؟

– كان هذا العمل دعوتي الكبرى. في استجماعها وجدت المكتوب منها قليلا والباقي مخطوطات لم يسمع بها احد. وبعدما تحققت من اصالتها مضيت أنهل معلومات شيقة على ألسن الناس ومن ذاكرتهم الشفهية. صرت اسجل ما يتيسر لي في القرى والأديرة حتى صار مجموع ما قطفت يقاس بستين ساعة. كان ذلك بين الستينات والسبعينات.

• هل كان احد سواك سائرا على هذا الخط؟

– عام 1972 اتى راهب سويسري مغرم بالغناء السرياني وامضى اكثر من سنة في لبنان وسوريا كان محصولها ستين اسطوانة هي من المراجع الليتورجية الكبرى، وتوفي في 1999. وكانت ثمة جمعية تولت حفظها وأرشفتها، دلّوها علي والعمل يهمني. اخذته على عاتقي وبعد خمس سنوات حققت منه كاتالوغا لخمسين اسطوانة مع التبويب والتوصيف والشرح. اما ما تحتويه هذه الكنوز التراثية فغناء وتراتيل والحان سريانية مارونية.

• ماذا تستنتج من تراث كهذا؟

– لقد مضى على عمل هذا الراهب 35 عاما. الجيل القديم حافظ التراث دله عليها وأفعم بحوثه. هذا الجيل القديم رحل، اما ما بقي اليوم من هذه الكنوز، فخالد لا يزول. قابلتها مع ما انا حققته لأجد اني مضيت الى اللحن الأكثر اصالة، الى ينبوعه الأول. الأتنو – موسيقى هي علم موسيقى الشعوب ومهمتنا ان نعرف ما اضيف الى ذلك العصر او ذاك.

• الأصالة والرجوع اليها كلمة مبهمة. كيف تثبت انك وصلت الى الينبوع؟

– نعرف ان قسما كبيرا من الالحان السريانية يعود الى ما قبل المسيح. ويوازي بقدمه آثار صور وهي اعتق من بعلبك. صور في زمن اليونان كانت قيمتها الثقافية والفنية منارة والموسيقى والآلات الموسيقية والغناء كانت من ذلك الزمن.

• ممن استوحى مار افرام افرامياته؟

– مار افرام اخذ عما كان سائدا قبله من ارمانيوس وبارداسيون الآرامي، وكل باحث في التراث لا بد له من ان يعزز اللحن والاسلوب ومنطق اللحن. اذا تغير المنطق تغيرت اللغة. غايتي انا كباحث في التراث القديم الوصول الى مميزات اللحن الماروني المميز عن كل الالحان. عام 1968 صدرت موسوعة عن الموسيقى المقدسة كتبت اكثر ما كتبت عن الموسيقى الارمنية والسريانية البيزنطية صفحات وعن الموارنة فقرتين قيل فيهما ان لا موسيقى عند الموارنة مما استرعى انتباه سولانج كوربان اهم باحثة في الموسيقى الدينية من الشرق الى الغرب. واذ عرفت من روما انتقالي الى باريس ذكرت اسمي بين الباحثين وطلب مني جاك بورت ان انتقد ما كتب وان اعيد كتابة ما ورد. ومما قلته في محاضرة ان الالحان المارونية ليست عربية، بل لها مزاياها الخاصة.

• بماذا توصي الاجيال بعدك؟

– بالصدق والأصالة.

الإعلان

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s