ندوة حول كتاب “القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك”- دار سائر المشرق

ندوة حول كتاب القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك

دار الندوة: 26/9/2013

الحمرا / مناقشة كتاب: القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك”/دارسائر المشرق.
المناقشون: الأباتي بولس نعمان-الدكتور هشام نشابة-تقديم طاهر حمد.
كلمة المؤلّفة: ناتالي الخوري

كلمة الشيخ طاهر حمد
باسم الله الواحد نبدأ، مرحبًا بكم حضورًا كريمًا في هذه الدار العريقة التي احتضنت عبر عقود خلت نخبة من مثقفي ومفكري لبنان والعالم. فغدت سجلًا يوثق النشاط الثقافي في هذه الواحة النورانية الحضارية المودعة بين شاطئ الأزرق الكبير وتخوم الصحراء.
نجتمع في هذا المكان الثري، على مائدة الدكتورة ناتالي الخوري غريب وعلى رأس هذه المائدة يجلس كبيران من أعلام لبنان هما الأباتي بولس نعمان الرئيس العام السابق للرهبانية المارونية والدكتور هشام نشابة أحدُ أعلام الفكر والتربية والتعليم.
أما الوليمة فكتاب الدكتورة ناتالي الخوري غريب عن شاعر ولاهوتي ومفكر من لبنان، هو الأب ميشال الحايك في قراءة لشعره الصوفي.

والكتاب الصادر عن دار سائر المشرق يشكل قيمة جليلة للمكتبة العربية كونه أول بحث أكاديمي عن شعر الأب الحايك وكونه يعالج شعره بتحليل موضوعي ولغة راقية. أسلوب واضح، ويفتح الباب أمام دراسة نتاجه الأدبي الفنيّ في مكتبتيه في بيروت وباريس.
لقد أحيت ناتالي الخوري شعر الأب ميشال الحايك بعد عقود ظلّ خلالها بعيدًا من الدراسة، وأيقظته في الوجدان الوطني العام ووضعته لأول مرة على مشرحة النقد العلمي والأدبي، لنكتشفه من خلالها شاعرًا صوفيًّا عميق الرؤيا، صادق الالتزام، بليغ العبارة، حرّ الكلمة، جاءت قصيدته كنشيد يخاطب فيه الله أو يمتدح حال الألم، فإذا شعره يميل إلى المطلق ويتسامى بالإنسان حاملًا إياه إلى الينابيع الأولى.

وبخبرة الباحثة وبحصافة وذكاء إصطادت ناتالي الخوري عنوان الكتاب فوسمت شعر الأب الحايك بالقلق الوجودي قابضةً بذلك على جمر الحقيقة حتى ليخيل لقارئ شعر الأب الحايك أن ليس ثمة عنوانًا آخر ينضح بالدلالة الصحيحة والواضحة سواه ولنرقب القلق الوجودي في هذه الأبيات:

أقضي الحياة موزّعًا ما بين أمس أسودِ
لم أشفَ منه وحاضر متقطع، متردد
أعشى يقود بنيه من ليل لصبح أرمد

ثم يقول:
يا نفس ما أنتِ سوى شبحٍ قد تاه بين خرائب الدهر
هذا القلق الوجودي العائد إلى زمن الخطيئة الأولى تتبعته ناتالي الخوري موزعة كتابها على مدخل وأربعة فصول تناولت خلالها سيرة الأب الحايك والمؤثرات الدينية والاجتماعية والأدبية التي أسهمت في تكوين شخصيته. ثم قدّمت رؤيته لمرحلة البحث عن المعرفة والفردوس المفقود ولتنتقل إلى حديث عن صورة الموت والفناء وانفصال الروح عن الجسد وطلب الخلاص بالموت ثم تخلص إلى إيضاح صورة القلق وهواجس المصير ومرحلة ما بعد الموت والعبور والمعاد.

وإذ يطيب لي أن أرى هذا الكتاب للصديقة ناتالي الخوري يحتفى به اليوم بحضور قامتين كبيرتين من قامات لبنان فإنه لمبعث فخر وسرور لي أن أجلس إلى جانبهما مستمدًا دفعًا معنويًا وروحيًا أسكن إليه في مشوار العمر. وهل لي قبل أن نفتح مناقشة الكتاب أن أّذكر بعض ما تحفظه الذاكرة عن ميشال الحايك الإنسان النبيل يوم كان فتى يقصد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في أديرة الدامور ويعمد إلى قص شعور الفتية والشباب ويعمل إلى إصلاح هندامهم وتقديم الخدمات لهم.

وهل لي أن أذكّر في هذا المقام بالصداقة التي جمعت الأب الحايك إلى كمال جنبلاط أيقونة الدروز التاريخية التي خسرناها في لحظة جهل عربية وأن أتذكر نصيحة الأب الحايك لكمال جنبلاط يوم التقاه في باريس أوائل الحرب بأن ينأى عن الخطر ويعتزل السياسة لكن القدر كان أسرع من البصر.

نتذكر الأب ميشال الحايك المفكر الماروني اللبناني العربي الذي نظر إلى الإسلام نظرة متجددة سابحًا في تيار الخطر حتى غدا كتابه “المسيح في الإسلام” المرجع اليتيم حول العلاقة بين الإسلام والمسيح ورؤية المسلمين لعيسى بن مريم.

تستذكر ناتالي الخوري ميشال الحايك القروي المتواضع الذي حاز على ثلاث شهادات دكتوراه في اللاهوت والآداب والعلوم الاجتماعية والسياسية كما نتذكره رجل الحوار، المحاضر في كنيسة مار جرجس، والنائب الأسقفي العام وعضو مجلس الكنائس العالمي وممثل لبنان في المؤتمر الإسلامي والمدافع عن القدس وعن التعددية اللبنانية الفريدة.

نتذكر أيضًا ميشال الحايك الثوري الذي على خطى السيد المسيح الثائر الحقيقي الأول الذي دفع من ذاته لأن المسيح هو الثائر الوحيد الذي لم تكلف ثورته نقطة دم واحدة من غير دمه.

هذه ومضات صغيرة في الذاكرة. صغيرة أمام ما تحفل به تجربة الأباتي نعمان والدكتور نشابة وعلاقتهما بميشال الحايك.
الحضور الكريم كنا صغارًا، وكان الأباتي بولس نعمان في المقلب الآخر في السياسة، لكن صوته الذي كان يتردد عبر أثير الإذاعة، كان يدوي بألحان الربيع… وتأخر الربيع ثلاثين عامًا… لكنه عاد وأتى.

بليالٍ من النضال الطويلة، صنعت فيها رئاسة جمهورية الحلم، حاورت كل المحاور، وأجريت المصالحات، حاملاً لبنان في قلبك وعقلك وضميرك.

قلت يومًا إن الإنسان لا يصنع التاريخ وحده، لكن قامة شامخة بحجمك أغنت تاريخ الموارنة ورصّعت صفحة التاريخ اللبناني بحروف من نور.

أنها الأباتي الجليل… يا سنديانة الكنيسة تحنو بظلها الرؤوف فوق رؤوس المؤمنين وتحضن برفق وكرم شجي البلابل الحرة وألوان التغاريد.

نحوك نرنو الآن، لنهج الكهنوت الذي اخترت وما به من مسلك روحي سما بزاد من المعرفة وفير واكتوت بجمر الألم عبر سنين، وارتقى بالإيمان بالله، ثم الإيمان بالأرض وبالإنسان وبالحرية: كلماتك السحرية الثلاث.

مسحة من إثر يدك، وبسمة من الرضا زرعتها كلماتك.

ستلهم تجربتك الرائدة وما اختزنته من قيم ومواقف أثرت مسيرة هذا الوطن وأثّرت في مصيره.

ها نحن نرهف السماع إليك، يا (برهة) المحبة إبّان الزمن الصعب ويا فسحة الأمل ويا ردهة التسامح وسط عصف الأنواء وصخب الأجواء.
قدس الأباتي بولس نعمان: الكلمة لكم.

هو رجل بألف كما كان العرب يقولون. والعبارة للأستاذ محمد المشنوق في تعريفه به، إنه الدكتور هشام نشّابة إحدى أجمل الصور المشرقة للبنان في دنيا الثقافة والعلوم، وأحد السيوف التي صنعت وصانت مجد لبنان في حقل التربية والتعليم.

رجل المسؤوليات الكثيرة والنجاحات الكبيرة، المتواضع على غنى في النفس والمجتهد بصمت العلماء كأرزة من أرزات لبنان العتاق، تكبر ولا تشيخ وتظل تشع بالسندس الأخضر وسع المدى وتظل على الدوام الرمز.

يا مثال اللبناني المجاهد الصبور المبدع المكابد، المتألق نجاحًا أنى اختارته يد الواجب. ويا وجه الإسلام الحضاري المنفتح والإنسانية السمحاء ويا سنبلة القمح التي فاضت على امتداد الأرض العربية كلمات ومقالات وكتبًا ومصفحات.

صاحب أعلى مسؤولية في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية وقد علّمت بالقدوة الحسنة وبالكلمة الحرّة آلاف العقول وبين يديك في جامعات لبنان وأميركا تفتحت آلاف الأزهار وسرى عطرها.

أيّها المفكر الحرّ من دون أن تأخذك نشوة الحريّة بعيدًا من الدين والقيادي التربوي دون أن يأسرك المنصب.

قلت للمغفور له الرئيس صائب سلام في بداية مشوارك (مسيرتك) أنك تريد أن تتبع نهج المربين، فغدوت طليعهم وكنت كما الدعادة تبحث لا عن العمل ذي المردود المادي، بل عن العمل الذي يجسد الرسالة ويقق الرؤية التغيرية.

نذرت نفسك للتربية فكنت عميدًا ثم رئيسًا للمعهد العالي للدراسات الإسلامية في المقاصد ورئيسًا لإدارة المقاصد العليا فيها ورئيسًا للمجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ورئيس لجنة البرامج والعلاقات الخارجية في المجلس التنفيذي للأونسكو شاركت في تأسيس معهد الدراسات الإسلامية – المسيحية في جامعة القديس يوسف، وأسست مركز توثيق العلاقات الإسلامية المسيحية في جمعية المقاصد ولم تمنعك المدافع وقنابل الحرب عن حمل راية المحبة والألفة والتعايش بين اللبنانيين.
لك الكلمة سعادة الدكتور هشام نشّابة وإليك الأسماع والبصر
.
يرسم الحبَ يراعكِ من ثنيات السطور
نحلة الكتب النشيطة عانقي أزكى الزهور
وأملأي الأفواه شهدًا من خلاصات العطور

صديقتي الدكتورة ناتالي. هذه أنت بكتابك الأول تخطين نهجًا في النقد الشعري جميلاً، وتمسكين بناصية الكتابة الأدبية وترسمين إطارًا ملونًا تحلّق فيه نفسك الحرّة بشغفٍ وشوقٍ وهي ترتقي معراج السعادة الدائمة.

عرفتك يا ناتالي إنسانة صادقة، وباحثة نهمة، وأستاذة متفانية، وهمة عالية، وكتلةً من الحيوية التي لا تعرف التوقف أو الملل.
صديقتي الصادقة. أنتِ من قلّة قليلة ما فتئت تجاهد لأجل ما يشبع الروح من طيباته ونقطف من حلو عناقيده ونستعيد من خلالك لاهوتيًّا جذبته الفلسفة وسكنه الحبّ ففاض شعرًا صوفيًّا راقيًّا صافيَّا.

أعترف لكِ أخيرًا أنني من خلال كتابك هذا فهمت ميشال الحايك أكثر وأحببته أكثر من خلال ميشال الحايك شعرت أنني فهمت المسيح أكثر وأحببته أكثر.

أبارِك لكِ بدء رحلتك الشاقة لكن الجميلة والممتعة كأستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية لكِ مني أجمل الأمنيات ولكِ الكلمة الأخيرة.

كلمة الأباتي بولس نعمان:

الاقتراب من الأب ميشال الحايك في شعره وأدبه وفكره المسيحي المتصوف، هو اقتراب من الموهبة التي تكاد أن تكون كاملة، والتي تدعوك الى شكر العناية الالهية التي تعطي وتهب بغير حساب.

اقتراب، تُحسدُ على جرأتها في اختياره، الأدبية ناتالي الخوري غريب، لأن الاقتراب من هذا الأديب الموسوعي، ذي الثقافة العالية والمتعددة المصادر، ليس سهلاً، فهو شاعر متصوف قبل كل شيء، يعيش شعره بصدق وقداسة، يسير منفرداً منحني الرأس كما موسى في طريقه نحو الجبل الملهم حزينًا ومطرقًا…

أعطي موهبة الكلمة الساحرة والالقاء الآسر، واللغة العربية والفرنسية الصافية، يسحرك ويسمرك مصغيًا وماخوذاً بكل حواسك أمام الشّاشة أو المذياع، لئلا تفوتك كلمة أو حركة أو نبرة صوت، هكذا كنّا نصغي اليه في ليالي الصيام المقدسة وأسبوع الآلام، من كاتدرائية مار جرجس في ساحة الشهداء في بيروت.

تعرّفت اليه أخًا وصديقًا، لا بل مُعلمًا قدوة. علّمنا، كما كتبت ناتالي، ان الحياة الفضلى هي استقرار بالمسيح مثالِه الأعلى في الحياة، وأن صدق دعوتنا الكهنوتية ” هي استمراريتنا فيها حتى الآن”.

عاش قناعاته الموروثة من والدين تقيين بسيطين على عمق ، وقد ساعدته ظروف الحياة بأن يضيف اليها قناعات جديدة مكتسبة، عندما مكث مدة طويلة منطويًا على الدرس والتحصيل العلمي والكتابة، بين جامعات فرنسا وصومعته الباريسية المطبوعة بطابع زهدي، والمليئة بالروائع الفكرية من مختلف الحضارات والثقافات، العربية القديمة والحديثة، والفارسية والهندية، والأوروبية: اللاتينية والفرنسية، وقد زرته مراراً وهو مستغرق في الكتابة والمطالعة. ومطالعاته كانت تتبدّل بين كتابين، كتاب أوّل ثابت اسمه يسوع المسيح المتألّم، وكتاب ثانٍ متبدل من الأداب المشرقية والأوروبية ومشاهير الكتّاب والمؤلفين العالميين أمثال: سقراط، أريسطو، أفلاطون، الفلاسفةالاغريق عامة، جان بول سارتر، طاغور، Alfred De Vigny، الياس أبو شبكه، ميخائيل نعمه.. صلاح لبكي، وأكثر كتّاب الأداب الثورية.

هذه الاقامة الطويلة في فرنسا، وتلك المطالعات المتنوّعة، بلورت في ذاته، كما قالت الأدبية ناتالي، المبادىء الدينية في التحرر والانعتاق من أكثر القيود، وأسهمت في إنضاج روحانيته وشخصيته، فارتقى معها الى سماء من النورانية.
ومع ذلك ظلّ الأب ميشال الحايك على بساطته المعروفة قويًا ولكن وحيداً، مثل موسى في رائعة Alfred De Vigny عندما قصد الجبل لملاقات الرب في الغمام، وبقي حزينًا قلقًا لا تفارقه الكئابة، فقال معاتبًا الرب: ألمْ يُعطى لي أن أنتهي… ماذا تريدني أن أعمل بعدُ، سأظلّ حزينًا وحيداً وقلقًا لا أعرف السَعادة، دعني أرقد وأنام في غفوة الأرض

Et cependant, seigneur, je ne suis pas heureux
Je vivrai comme toujours puissant et solitaire
Laissez-moi m’endormir du sommeil de la terre

أما نحن اللبنانيين، وقد ابتلينا، منذ زمن، بظروف آسرة قاهرة حوّلت حياتنا كلها الى دفاعات عن الوجود وعن الأمة وعن الحريّة والانعتاق، ولم يُعطَ لنا أن نبلغ الراحة والتسامي، مع أن هذا الشّعب الغني بالمواهب الفكرية يستحق أن يعيش وأن يبذل كل طاقاته ومواهبه لخير الانسان في الشرق.

هذه الأفكار والأحاسيس راودتني وأنا أطالع هذه الدراسة الغنية للدكتورا ناتالي عن “القلق الوجودي في شعر الأب ميشال الحايك”، فتصفحتها بشغفٍ المشتاق الى مثل هذه الدراسات المعمّقة، ووجدت فيها الخطوط الأساسية، والأفكار ذاتها التي رسَمَتْ في ذهني صورة الأب ميشال الحايك، لأني أقرُّ بأني لم أكن قد قرأت كل كتبه، خاصة الفرنسية منها، بل تكوّنت معانيها وصورتها في ذهني من خلال معرفتي الشخصية له، والأحاديث المطوّلة عنها، والمواعظ القيمة التي كنّا نتشوّق الى سماعها: صورة المفكر المسيحي القلق أبداً، والطامح دائمًا إلى السير على خطى المسيح ، شهيد الجلجلة، وقد اختصَرَتْها ناتالي بمؤثّرات أربعة: الدينية والاجتماعية والفكرية والأدبية، كما رسمت لوحات رائعة وصادقة عن موقفه من الحياة والغربة والموت والمصير.

للكاتبة الأديبة كل الشكر والتقدير لأنها عرفت أن تقرّب إلى الاذهان بوضوح ومنهجية علميّة أديبًا وشاعراً تميّز بالقلق الوجودي وباختيار المواضيع الصعبة التي طالما صدمت عقل الانسان.

كلمة الدكتور هشام نشّابة:

يا طاوي البيد إن يممت لبنانــــا
فانثر على أرزه ورداً وريحانـــا
واسفح دموعك في أفياء مغرسـه
حتى يبيت بدمع العين ريانــــــا
يا نسمة في ظلال الأرز طـيـــّبة
ردت عزاء إلى قلبي ووجدانــــا
هبّت عليّ وفي أعطـــــافها أرج
غدوت منه مع الأغصان نشوانـا

شفيق جبري

من دواعي السعادة أن يجد الدارس للفكر المعاصر بين يديه كتابًا ككتاب الدكتورة ناتالي الخوري غريب عن الأب ميشال حايك. فهذا الهم الروحاني نادر في الأدبيات المعاصرة، فشكرًا للدكتورة ناتالي ولدار سائر المشرق. ثم أن الكتاب يأتي في الذكرى الثامنة لوفاة الأب ميشال حايك الذي توفي في أول أيلول سنة 2005، فهذا الكتاب هو خير ما نتذكر به الأب حايك.

و”القلق الوجودي” سمة من سمات هذا العصر، فإن وَجَدَ التعبيرَ عنه في الشعر العربي المعاصر، ومن خلال إدراك عميق للروحانية المشرقيّة، في المسيحية وفي الإسلام اكتسب هذا القلق معانيَ خاصة تترك آثارًا راسخة عند المؤمنين كافة.

كتب الأب ميشال حايك العديد من الكتب والأبحاث ذكرتها المؤلفة في كتابها المميّز. وكثيرٌ من هذه الأبحاث باللغة الفرنسية حتى أنّه قد يتبادر للباحث أن تكون الأبحاث عن الأب ميشال حايك وعن إنتاجه باللغة الفرنسية أيضًا.

ولكن للمؤلفة الفضل في أنْ تلفتَ نظرنا إلى أن الأب ميشال حايك كاتبٌ ومفكرٌ وفيلسوفٌ ومتصوّفٌ تنبع روحانيته العميقة من لبنان متأثرةً بمحيطها ثقافيًا واجتماعيًا أي بأرضه وأهله، ومؤثّرة أولاً في مجتمعه المباشر في لبنان، ثم في مجتمعه العربي ثم في المحيط الثقافي الإنساني الأوسع.

أما وسيلته في هذا التأثّر والتأثير فهي اللغة العربية أولاً، واللغة الفرنسية بعدها، العربية لأنها لغته الأم والثانية لأنها لغة تواصله مع العالم.

والشعر العربي عند ميشال حايك، لا النثر، هو الأسلوب الذي اعتمده للتواصل مع قومه، لأن الشعرَ، أقربُ إلى الوجدان وأطوعُ لمن يتقن فنونَه للتعبير عن خلجاتِ النفس وتوقها الأسمى إلى الله عزّ وجلّ. ذلك أن الوزن الشعري وما في موسيقاه من الروحانية ما يقرّب الشاعر إلى المعاني التي يريد أن يسموَ إليها.

يقول شاعر حديث:

لا تحسبنّ موازين القريض إذا خلت من السقم كان الشعر فتانــــــا
إنما الشعر قول حين ترسلـــــــــــــه يهزّ في الناس أرواحًا وأبدانا

أما ميشال حايك فتقول لنا الكاتبة إنه قال: لم يلهني عن الشعر إلاّ الله (هامش ص 22). فليت الكاتبة المبدعة، والمحبة لموضوعها، خصّت اختيار الأب حايك الشعر للتعبير عن روحانياته ووجدانياته بتحليل بيّنت فيه أي البحور والأوزان اختار الشاعر؟ ولماذا؟ ومدى تأثره بشعر أمثاله من شعراء المتصوفة عند العرب، مسيحيين ومسلمين. فنحن نعلم أن هؤلاء وأولئك قد لجأوا للشعر كما فعل الأب حايك عندما أرادوا الافصاحَ عن مكنونات النفس المؤمنة الناظرة إلى الله والمستظلّة بظله سبحانه.

ولأن روحانية المؤمن لا تَعرِف، ولا تَعتَرِف، بالحدود فإننا نجد في كتاب الدكتوره ناتالي خوري غريب نَفَس المسيح عليه السلام ومعاني القرآن بل وتعابيره، وهذا نتيجةٌ طبيعيةٌ لتعمق الأب حايك في دراسة القرآن الكريم فضلاً عن تأثّره باللغة العربية والشعر الجاهلي وما بعد الجاهلية وحتى العصر الحديث.

ولعلّنا لو تعمّقنا أكثر وأكثر لوجدنا عند الأب حايك تأثيرًا مباشرًا للشعر الفرنسي خاصة عند بودلير، وقرلين ورامبو ممّا تعرضت له الكاتبة بإيجاز في كتابها القيّم.

غير أن هؤلاء الشعراء كانوا ملحدين… فكيف يتأثر المؤمن بالملحد؟ وشاعرنا مؤمن عميق الإيمان. ذلك أن الأب ميشال حايك، صاحب القلب المحبّ الذي يتّسع لكل الناس، كان يرى في جمال المعنى بعضًا من جمال لله عزّ وجلّ، وقبسًا من نوره، ويرى في المسيحية عشقًا وتسامحًا لا يقتصر على بعض الناس دون البعض الآخر.

ولعل هذا العشق للمسيح عليه السلام، ومن خلاله، عشقه لله وللناس كافة، هو الذي دفعه إلى رفض الدعوات المذهبية والتمييز بين الناس. وقد ذكرت المؤلفة رفضه لإدعاء اليهود أنهم شعب الله المختار، ورفضه لتهديدهم القدس ولأطماعهم في هذه الأرض المقدسة . فراح يمثل الموقف العربي من القضية الفلسطينية ومحورها قضية القدس في الأونسكو.

وما من ريب أن الحرب اللبنانية، وما حملته من جهالة وضلالة جعلت ميشال حايك يشعر أن عليه كمسيحي أن يسير على خطى المسيح فيحمل آلام شعبه كما حمل المسيح في اللاهوت آلام الناس كافة.

إن شعر الأب ميشال حايك يلخص أيضًا موقفًا أخلاقيًا. ففي طياته براعم ثورة – هي ثورة المسيح، كما تقول الدكتورة ناتالي – ثورة تطال أخلاق الغرب الذي ابتعد عن منابع المسيحية المشرقية ليُحِل محلّها أخلاقًا مادية لا تمت إلى الروحانية المسيحية بصلة. إنها ثورة لا تطال العالم الإسلامي أيضًا (أنظر ص 49) وتدعوه إلى سبر أغوار التدين الإسلامي.

هكذا قرأتُ هذا الكتاب، فأعادني إلى تذكّر الأب ميشال حايك، ودعاني إلى تجديد روحانيةٍ دينية صافية، ومُحبّةٍ، ومتسامحة، في زمن طغت فيه المصالح المادية وعلا ضجيج طبول الحرب وخَفَتَ صوتُ الحق والعدل والجمال.

كلمة المؤلفة الدكتورة ناتالي الخوري غريب:

ضاقَت به الأرضُ ولم تتّسع له إلا قبّةُ السماء، ليكونَ من ساكنيها أبديَّ بقاء…
شيّد كنيستَه في العَرَاء من حجارةٍ ليست من هذا العالم، ومن ثمّ ركع وسجد وصلّى، وطلب المغفرة للذين لا يدرون ما يفعلون، في مشارق الأرض ومغاربها.

أمّا قصائده، فكتبها على ضوءٍ من سكون سماء، أقلقها غليان توقه إلى لقاء الله الذي ظل له في الظل عطشًا عظيمًا…فجاءت ثورةً على كل موروث لا يتجدّد في قراءة بواطنه، ويبقي على سطح ظواهره، ترجمتها آلةُ بيانه بدع شعر، هي الى صنّاع الفكر آلف، وتخبر عن طباعٍ الى الزهّاد آنس، ليُخرجَ قارئيه من كهف ذكريات قابع في نفوسهم إلى ساحات عبورٍ من نور، أملا بميعاد مرتقب، لمن قامرَ وخسر العالمَ من أجل أن يربح نفسه…

فمن يقرأ قصائدَه هذه، يدركُ أنّها سفرٌ إلى مكنونات الذات تأشيرةُ الدخول إليها وعي الإنسان كينونتَه ووجدانَه، تضيئها مناراتٌ مشرقاتٌ.على دروبِ قضايا مصيريةٍ محكومةٍ بدوام تساؤلات لا تذكرةَ عودةٍ منها وعنها…..

وما كتابُنا المتواضع هذا في شعر الأب الحايك، إلّا محاولةُ جلاء بعضِ ما أملى صمتُ حروف مدوّية لشاعر مرّ في الحياة شريط ذكرى آخذًا دوره الحضاري والإنساني قبل مَضيّه إلى فردوسه الأصلي، في مثل هذا الشهر،

(كم بيت شعر للحايك).
شكر المنتدين:
الأباتي:
أشكر الاباتي بولس نعمان، على نعمة حديثه المشرّف في هذه النّدوة،
وهو أفعولة حرية هو في وطن قُيّدَتْ رقابُ أبنائه بغلائلَ من طائفية طمعًا، واحدوثة
راهب حمل صليبه على كتفيه، صليبَ وطن أعدم قبل إصدار الحكم…
لكنه قياميّ جمع وزناتٍ مهارات أُعطيها من رب لا يموت .

د. نشّابة:

وأشكر أيضا الدكتور هشام نشّابة على مداخلته،
وله في الحوار الإسلامي –المسيحي، جولات ولا أثمر ولا أقدر على شدّ من تَبَاَعَد وتَنَافَر ،
وله في التربية ورئاسة الصروح التعلمية باع ولا أطول، ورؤية ولا أثقب،
امتشق علمه، إيمانًا بنهضة بوطن تعايش، تخطيطًا لثقافة المستقبل..

الشيخ طاهر:
كما أتوجّه بالشكر الى ابن بني معروف، ومعروفُه يخبر عنه أينما حلّ، الصديق الدكتور العتيد طاهر حمد، الذي أدار الندوة، وهو مؤسس مدرسة حديثة العهد، وصاحب نظرة رؤيوية تقدميّة في المجال التربوي، تنهض بالفرد-الإنسان-القيمة، الى ما يرتقي يه خلُقا وادبا ووعيا معرفيا غير منفصل عن الإيمان.

كذلك، امتناننا لدار الندوة، بمؤسسيها وناشطيها، هذا الصرحُ الثقافيُّ في زمن الشّحِّ الفكري، وهذا الشَعُّ الحضاري في زمن التخلّفِ العربي.
أشكر انفتاح هذا الصرح على مدّ الجسور بين ابناء الوطن الواحد،
ايمانا بالوطن الكلمة الجامعة الموحِّدة.

كما أتوجّه بالشكر الى دار سائر المشرق، وفريق عملها، التي حضنت هذا الكتاب،
هذه المؤسّسة-العائلة-الرسالة، التي آمنت برفع الكلمة ورفعتها، زوّداة من ارحام المعارف، المغامرة في سوق كثر فيه العرض وقلّ الطلب على كثرة عرض ..حسبها انّها ترفع الصوتَ في زمن الصمتِ نشرًا مجديًا. .

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s