الكونيات عند جبران

  فايز فوق العادة 
السبت/3/تشرين الثاني/2007 

تحتل الكونيات كل كلمة قالها جبران:

“ها قد سرت خمساً وعشرين مرة حول الشمس، ولا أدري كم مرة سار القمر حولي، لكنني لم أدرك بعد أسرار النور ولا عرفت خفايا الظلام، قد سرت خمساً وعشرين مرة مع الأرض والقمر والشمس والكواكب حول الناموس الكلي الأعلى، ولكن هو ذا نفسي تهمس الآن أسماء ذلك الناموس مثلما ترجع الكهوف صدى أمواج البحر، فهي كائنة بكيانه ولا تعلم ماهيته وتترنم بأغاني مده وجزره ولا تستطيع إدراكه، منذ خمس وعشرين سنة خطتني يد الزمان كلمة في كتاب هذا العالم الغريب الهائل، وها أنذا كلمة مبهمة ملتبسة المعاني ترمز تارة إلى لا شيء وطوراً إلى أشياء كثيرة”.

لقد رأى كل من آينشتاين وجبران أكواناً خاصة استلها مما خزنته الأزمنة في خلاياه، إن أهم سر من أسرار العالم، هو أن هذا العالم يمكن فهمه، لا يستطيع العقل الإنساني أن يحيط بالكون:

“إننا أشبه بطفل صغير يلج مكتبة كبيرة حيث ترتفع الكتب حتى السقف وتتوزع بين لغات مختلفة، إن الطفل على علم مسبق أن البعض مسؤول عن كتابة محتويات هذه الكتب، إلا أنه لا يدري من هم هؤلاء البعض وكيف أنجزوا ما أنجزوه، كما أنه لا يفهم اللغات التي سطرت بها تلك الكتب، وعلى الرغم من ذلك يستطيع الطفل أن يتحسس خطة محددة في ترتيب تلك الكتب، إنه تنظيم غامض، لا يستطيع الطفل فهمه بشكل كامل، ولكن يستطيع إدراكه على نحو مبهم”.

لم يكن هناك فاصل بين جبران وبين الكون ولا عداوة بينه وبين أصغر أو أكبر ما في الكون، بل كل ما في الكون كان يناديه:

“أنت ابني الحبيب، كبّر أيها الكون، الأولى بثوا في سمائك أنفسهم، وملؤوا الهواء أرواحاً لطيفة وعلموا الإنسان أن يرى بسمعه ويسمع بقلبه.”

لقد عزت على جبران الذات المشترطة فأطلقها لتسع الكون بأسره، لا غرو في أنه تحول من محدودية الإنسان في الله إلى كلية الله في الإنسان، لم يجد جبران بين النكبات المخيفة والرزايا الهائلة إلا: “ألوهية الإنسان تقف كالجبار ساخرة بحماقة الأرض وغضب العناصر ومثل عمود نور منتصبة بين خرائب بابل ونينوى وتدمر وبمباي وسان فرانسيسكو ترتل أنشودة الخلود قائلة: لتأخذ الأرض ما لها فلا نهاية لي، أنتِ أنا أيتها الأرض، فلو لم أكن لما كنتِ، إنما الإنسان كائن منتصب بين اللانهاية في باطنه واللانهاية في محيطه، فلو لم يكن فينا ما فينا لما كان في خارجنا ما في خارجنا”.

إن الذات هي منبع الألوهة، أما الألوهة فهي غاية ترسمها أحلام الذات أمامها، أشار آينشتاين إلى ذلك بقوله:

“إن ما يشغلني فعلاً هو التساؤل التالي: هل كان لدى الإله أي خيار في خلق العالم”.

من جانبه أكد جبران أن الطبيعة ما هي إلا جسد الله، شكل الله، والله هو ما ننشده ونحب أن نحققه، لقد بات على الطبيعة أن تولد من الشاعرية، من الإنسان الخلاق، من الرؤيا، بعد أن كانت هي منطلق العقل، إن النظرية العلمية الحقيقية هي قصيد كوني لحن وفق رموز خاصة، أضيف مما قاله آينشتاين: “خالق العالم هو الإنسان الفرد العظيم”، علينا أن نسرع قبل أن تذوي كل الأحلام. الحق نقول إننا نجد صعوبة بالغة في التمييز بين آينشتاين وجبران.

عود إلى جبران: “ومن لا يصرف الأيام على مسرح الأحلام كان عبد الأيام”، أوليست الأحلام هي ذاتها الأكوان؟!

إن ما يتحدث عنه الجميع بأنه حلم، نصفه بقولنا إنه كون ومضة يسرع بالزوال، أما الكون، أو إن شئتم الأكوان فهي أحلام تبقى لفترة أطول ولو بهنيهة، لذا فلتكن ثقتكم عظيمة بالأحلام، لأن بوابة الأبدية مختفية فيها، إن الإنسان مخلوق يشعر بما لا يراه ويتخيل ما لا تقع عليه حواسه، فيرسم لشعوره رموزاً تدل بمعانيها على خفايا نفسه برسم خياله بالكلام والأنغام والصور والتماثيل التي تظهر بأشكالها أقدس ميوله في الحياة وأجمل مشتهياته بعد الموت.

إن كان الإنسان المصدر الوحيد الممكن لكل ما هو غير متوقع، إن كانت الحياة المقدس الوحيد المعطى من ذاته لذاته وبذاته، فإن الإنسان الحي الظاهرة هو بالتعريف النبوة المستمرة:

“واليوم أعرف كل المعرفة أني أنا الدائرة وأن الحياة بأسرها تتحرك في بذرّات منتظمة، أنا هو البحر غير المتناهي، وما جميع العوالم سوى حبات من الرمل على شاطئ، إن انتابتني الحيرة فعلي أن أصبر، فالحيرة بدء المعرفة، أوليس الغموض والسديم هما بداءة كل شيء لا نهايته” أما من يقنط فلن يكون نبياً، ومن يخاف ذاته وكل شيء آخر فهو من القانطين، من هنا كان رفض النبوة إلى حد إنكارها، تلكم هي مأساة الإنسان المستنبتة على مسرح الدهر، وقد كثر المتفرجون المستحسنون، وقل من تأمل وتعقل، كان جبران في عداد من تأملوا وتعقلوا، كان نبياً بحق:

“جئت لأقول كلمة، وسأقولها، وإذا أرجعني الموت قبل أن ألفظها يقولها الغد، فالغد لا يترك سراً مكنوناً في كتاب اللانهاية”.

إن أنكر النبيَّ قومُه، إن سحقت الأجيال المارة أعماله فإن أحلامه لا تفنى وعواطفه لا تضعف، لأن الأحلام والعواطف تبقى بقاء الروح الكلي الخالد وقد تتوارى وتهجع آونة متشبهة بالشمس عند مجيء الليل وبالقمر عند مجيء الصباح، النبي هو من كانت نفسه غنية باكتفائها ومشغولة عدا ذلك بمجد الألوهة، النبي هو من يدأب على دفع الصيرورة الزمانية نحو الكمال، النبي أرق من تنهدة زهرة البنفسج وأشد من العاصفة، النبي مصداقية مطلقة ترسم الطبيعة بإخلاص ثم لا تلبث أن تتحول إلى كلمة تقولها الطبيعة ثم تستردها وتخفيها طي قلبها ثم تقولها، النبي من يغادر ونفسه بحراً عظيماً، ناشدين بحراً أعظم، كل شيء عند النبي وهو كل شيء، إذ لا تبرز لديه أية حاجة إلى تنظير وحذف وإضافة، ليس نبياً على الإطلاق من كانت الأشياء بالنسبة إليه على غير ما هي عليه، وأنّى لـمُصادر أو مُستحوذ أو مصنوع من مصطلحات اتفاقية أن يكون نبياً.

إن المصطلحات الاتفاقية هي بنات اللحظات الزائلة التي لم تكن أبداً، تصنف الأفكار الناجزة في معجم تلك المصطلحات، والأفكار الناجزة كزجاج النافذة، نرى الحقيقة من خلالها، لكنها تفصلنا عن الحقيقة، تأتينا الأفكار الناجزة في كتب فتقطعنا عن أعماقنا وتنسينا أن ليس في الوجود شيء أعمق من نفس الإنسان، والنفس هي العمق الذي ينشد ذاته، نطبع هذه الكتب على أوراق نأتي بها من أشجار متناسين أن “الأشجار أشعار كتبتها الشمس على صفحة الأرض” ونحن نقطعها ونصنع الورق منها لندون فيها فراغنا وبلادتنا، وما الشمس والأرض إلا بداءة لشمس أعظم وأرض أعظم، وستبقيان بداءة إلى الأبد.

تصور الذاتُ كل شيء في لحظة راهنة وتكسرها بمجرد تأملها ومع غيابها تغيب الأفكار، وما تلك الأفكار إلا اللحظة المنشودة راهنة بل هي تجميد للحظة ولّت ولم تكن أبداً، إنها الانحدار إلى الموت، لكن النبي يتمرد على الموت وينأى بالحياة عن أن تكون عرضاً زائلاً، إنه لا يجدف على الشمس ويحجم عن السخرية بالطبيعة، إنه متأهب على الدوام وشاحذ قواه أبداً لصوغ الفكرة تلو الفكرة، تعتمد النبوة تنقية دائمة للخافية مما خلفته لحظات لم تكن أبداً، وكل لحظة انقضت لم تكن أبداً، ففي اللحظة الراهنة تذوب وتتحد عناصر الماضي والحاضر والمستقبل:

“أما الآن فقد عرفت أن في الهنيهة الحاضرة كل الزمن بكل ما في الزمن مما يرجى وينجز ويتحقق، أما الآن فقد علمت أن مكاناً أحل فيه هو كل مكان وأن فسحة أشغلها هي كل المسافات”.

إن النبي المصداقي النقي وحده يستطيع أن “يتشوق ثم يتشوق ثم يتشوق حتى ينزع الشوق نقاب الظواهر عن بصره فيشاهد إذ ذاك ذاته، ومن ير ذاته ير جوهر الحياة المجرد”، فكل ذات نبي هي جوهر الحياة المجرد، هكذا علم النبي جبران.

إن كان آينشتاين قد تعلم من دستويفسكي أكثر مما تعلم من نيوتن، بدوري أقر وأعترف أن القليل مما أعرفه قد أخذته من جبران ولم أنقله عن آينشتاين، أنا لا أعرف الحقيقة المجردة، ولكنني “أركع متضعاً أمام جهلي، وفي هذا فخري وأجري”.

وفق جورج لوميتر، الذي تأثر به جبران أيما تأثر، ينطلق الكون في تمدد سريع بعيد ولادته بهنيهة، ثم لا يلبث أن يغدو ضحية المواجهة بين فعل التجاذب الثقالي المتبادل الشامل من جهة، وبين أثر التنابذ المعزو إلى التعديل الذي أجراه آينشتاين على معادلاته من جهة أخرى، كان آينشتاين قد فعل ما فعل كي يكبح تمدد الكون ويعود به إلى صورة اشتقت في لحظات زائلة، إنها مواجهة يفرضها الكون ذاته، إذ ذاك يدلف الكون من بوابة ضيقة تدفعه إلى إرهاص من تمدد بطيء لا يتحرر الكون من براثنه إلا بحلول لحظة الآن، اللحظة الجبرانية الراهنة إنها لحظة فاصلة في كونيات لوميتر يعود الكون بعدها إلى التمدد السريع مدفوعاً هذه المرة بزخم التنابذ الذي يحقق انتصاراً باهراً على التجاذب لحظة الآن، إن لحظة الآن من الزمن هي حالة وجودية ظاهراتية صرفة، إنها الخافية الواعية التي تخلقها الأنا، إنها استشعار الأنا لأناها بامتياز، ويا للأسف، يغشى البصر بعيد لحظة الآن، فيفقد الناظر تدريجياً إدراكه للكون، ذلك أن التنابذ يسبقه متجاوزاً إياه أبداً. كذا يستخدم ابن آدم أقدس ما في الكون لتعميم شرور الكون، إنه الموت يقرره الإنسان بنفسه، إنه خدر الرمز نقنع به بعيداً عن جمال المرموز إنه التجيير إلى الذات المقتبسة والجبن عن لقاء الذات المعنوية الخفية المفعمة بالأحلام المترفعة عن شرائع الإنسان وتعاليمه.

إن كانت الكونيات الفيزيائية منظومات من رموز نسجتها الأنا لتعلل الأنا ما تراه الأنا عجزاً واستحالة يتمثلان بالانقطاع في السيالة الزمانية المكانية وبنقاط الانفصام التي تحتل كل حيز في السيالة، فإن الكونيات الجبرانية تبحر بعيداً إلى ما وراء نقاط الانفصام باحثة عن أصل وطبيعة الرمز والتعلل والرؤية والعجز والاستحالة، أوليس القصد من الوجود أن يطمح الإنسان إلى ما وراء الوجود، وكما تطرح الكونيات الفيزيائية موضوعاتها، تخط الكونيات الجبرانية بدورها موضوعاتها الخاصة:

“أيها الكون العاقل، المحجوب بظواهر الكائنات، الموجود بالكائنات وفي الكائنات وللكائنات، أنت تسمعني لأنك حاضري ذاتي، وإنك تراني لأنك بصيرة كل شيء حي، ألقي في روحي بذرة من بذور حكمتك لتنبت نصبة في غابتك وتعطي ثمراً من ثمارك، فأنا وأنتم لا ولن نقدر على تحديد الفكر والعاطفة ولكننا نعرف أنهما من الأوليات الأزلية الأبدية، فكل ما في الوجود كائن فيك وبك ولك. كل ما في الوجود كائن في باطنك وكل ما في باطنك موجود في الوجود، وليس هناك من حد فاصل بين أقرب الأشياء وأقصاها أو بين أعلاها وأخفضها أو بين أصغرها وأعظمها، ففي قطرة الماء الواحدة جميع أسرار البحار وفي ذرة واحدة جميع عناصر الأرض، وفي حركة واحدة من حركات الفكر كل ما في العالم من حركات وأنظمة”

أكدت الموضوعات الجبرانية على أزلية وأبدية الحياة باعتبارها ظاهرة، نحن الشيء الذي لا نهاية لصغره ولا نهاية لكبره.

إن الموضوعات الجبرانية محدودة في تعدادها، لكنها ليست محدودة فيما تذهب إليه، أما الموضوعات الأخرى فهي محدودة المبنى والمعنى، نعود إلى كتاب الموضوعات الكونية الجبرانية لنقلب صفحاته: “وما لا شكل له ينشد أبداً أن يكون ذا شكل، حتى السديم الذي لا يعد يود أن يتحول إلى شموس وأقمار، أو ليس الجهاد في الطبيعة شوق عدم النظام إلى النظام، الإنسان الكوني هو في جهة منه قلق وملل وتردد، في ناحية أخرى هو وعي ومعرفة، وفي ناحية أخيرة هو حلم وعوالم جديدة لم يبلورها بعد، ثم أنظر متأملاً بما وراء البحر، فأرى الفضاء غير المتناهي بكل ما فيه من العوالم السابحة والكواكب اللامعة والشموس والأقمار والسيارات وما بينها من الدوافع والجواذب المسالمة المتنازعة المتولدة المتحولة المتماسكة بناموس لا حد له ولا مدى الخاضعة لشرع كلي ليس لبدئه ابتداء ولا لنهايته نهاية، ما هو ذلك الشرع، إنها ما تعجز كل الأبجديات عن رسمه وبيانه، لو رصفت رموز كل الأبجديات بكل صيغها الممكنة لما استطاعت أن تدنو من الحقيقة أبداً، ليست الحقيقة أبعد مما يستطيع الخيال بلوغه وحسب، إنها أكثر خيالية مما يقدر الخيال أن يتخيل، والخيال أداتنا الوحيدة في المعرفة، إنه حقيقة لم تتحجر بعد، وإن التصور معرفة أسمى من أن تتقيد بسلاسل المقايسس وأعلى وأرحب من أن تسجن بأقفاص الألفاظ. الخيال هو يقظة في أعماق النفس فمن يعرفها لا يستطيع إظهارها بالكلام ومن لم يعرفها لا ولن يدرك أسرارها، نحن نرافق الخيال وأيدي الخيال أنزلت المعرفة من دائرة النور الأعلى”.

إن الحقائق العظيمة الفائقة الطبيعة لا تنقل من بشري لآخر بواسطة الكلام البشري المتعارف عليه، لكنها تختار السكينة بين النفوس، إن أعطيت النفس الصمت لاقتحمت غمرات الليل، والنفوس هي العوالم، هي الأكوان، إن لكل عالمه، بشكل أدق، إن الوجود بالتعريف تجارب متعددة تتجسد في أكوان تأتي وتذهب من ثم كما أتت دون إذن أو توقع، تلك الأكوان هي نحن، وهي جبران، وهي آخرون قد تكون فاجعة أن يذوي كون ويضمحل ويختفي، كما نحسب أن الكون جبران قد فعل، وأن الكون آينشتاين قد فعل، بينما الكون بحاجة ماسة إلى كل أكوانه، إن جبران وآينشتاين ودستويفسكي قد اندثروا وغابوا لكنهم باقون ما بقيت الحياة، إن رسالتهم ما زالت على الدرب، لكنها ستصل وإن وصلت يجب أن تفض، إن على الوجوه أن تخلع الأقنعة لخظة فض الرسالة وإن على الأعين أن تحملق فيها باحثة عن المعنى عبر طياتها.

إن كل وجه من الوجوه هو لا شيء، كونه يتألف من ذرات مادية قوامها الفراغ والهندسة، والفراغ والهندسة مجرد مفهومين، لكن الوجه تعريف غير المعرف، لذا ترك الإنسان التاريخي الوجه بدون كساء، وعمد إلى الثياب يغطي بها باقي ألأجزاء جسمه، من هنا كانت الأهمية القصوى للاشيء للوجه، إن الوجه هو الأنا عندما تستجر شهادة تعريف لها من السوى، ترى الأنا مجموع إنيات متخالفة في السوى، إنه أمر جواني تنكره الأنا إذ تخلد إلى ذاتها، هكذا تفقد الأنا أي تعريف لها، حتى الوجه الذي خلفته تعجز عن رؤيته، النبي فقط يخرج من الأزمة بدفع أناه نحو الكمال، إذ ذاك يمد النبي أناه شاعراً أنه هو الفضاء ولا حد له، وهو هو البحر بدون شواطئ وأنه النار المتأججة دوماً، والنور الساطع أبداً والرياح إذا هبت أو إذا سكنت والسحب إذا برقت وأرعدت وأمطرت والجداول إذا ترنمت أو ناحت، والأشجار إذا أزهرت في الربيع أو تجردت في الخريف والكون بأسره إن تجلى أو اختفى، وماذا إن اختفى الكون، ماذا إن أوصدت على حين غرة نافذة الأنا إلى الكون، نافذة المطلق إلى المطلق، إنها النافذة الوحيدة المطلقة دون النوافذ الأخرى، ذلك أن المطلق لا يستشعر النوافذ الأخرى إلا إن أطل من نافذته، من وجهه، إن المطلق على جهل مطبق بعلة وجود النوافذ الأخرى، إن النوافذ الأخرى عديمة الجدوى، إن أي نافذة منها ليست إلا طيفاً، شبيهاً، مثلاً، ولعلها ند. هل أنتِ أيتها الأرض المسؤولة عن تثقيب الفراغ بكل تلك الوجوه، بكل تلك النوافذ، بينما أنا المطلق هويتي وجهي، نافذتي، ولا أحتاج إلى تعريف.

تجيب الأرض بذرائعيتها المعهودة: أنا الرحم والقبر، وسأبقى رحماً وقبراً حتى تضمحل الكواكب وتتحول الشمس إلى رماد، إنني لا أستطيع إلا أن أكون رحماً وقبراً وإلا لما كنتُ ولما كنتَ أنت، إن عليكَ أن تحبني أن تحب الأرض بكليتك، لأنها مرتع الإنسانية، روح الألوهة على الأرض، الإنسانية المقدسة روح الألوهة على الأرض.

أيعقل أن يكون الأمر برمته مجرد مصادرة محدودة على هذا النحو، إن الإنسان المطلق لا يستهويه كل ما فيه وكل ما في الأرض وكل ما سيكون في الوجود، إنه لا يحتفظ بالبشريات في الخزانة البشرية خشية أن تفقد قيمتها، الإنسان المطلق هو سليل الإنسان الإنسان، إن الإنسان الإنسان ليس إلا هذا الكائن القلق الناهض من الأرض، إنه الحنين المتسامي إلى النجوم.

يخرج المطلق عن حواره الصامت منشداً من قصيدة نظمتها الأرض:

الخير في الناس مصنوع إذا جبروا … والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

ويردف مذكراً الأرض أن اتحاد الكائنات المستند إلى شطري الذكورة والأنوثة لا يتمخض إلا عن شروخ موجعة في فؤاد الكلي المطلق، إن كان الاتحاد هو الهدف، فلم تتكاثر الوجوه مفككة أركان المطلق إن وقع الاتحاد، وما هو أدهى أن الدهر سرعان ما يلفظ قطبي الاتحاد: “أيتها الأرض إن كنتِ قد انحدرتِ من السديمِ، فاعلمي أن السديم هو أول كلمة من كتاب الحياة وليس بآخر كلمة فيها”، ما السديم سوى حياة مشوشة، أما أنا فحياة منظمة، لا يخدعنك أنني إنسان، إنني إنسان لأنني كائن طبيعي ولأن الطبيعة كائن متأنسن، إنني والحجر شيء واحد، اعلمي أن زمانك هو فعلي الحياتي، وأن فصولك هي أفكاري تتغير وتتبدل، إنني مطلق الرغبة لأن رغبة إدراك المجهول تجتاحني وهاجس الاتحاد بروحه يمتلكني، لأني أريد أن أتحول إلى الوجوه الكونية أتأملها، وإلى الرموز الكونية أنطقها، إنني أريد أن أبني كوناً بأكمله قبل أن أرحل إلى حيث لا أدري، حلمي الوحيد أن يكون باستطاعتي تحريك كل عناصر هذا الكون لتملك القلوب وتسكن الأفكار، إن الطبيعة نفسها ليست إلا مظهراً خارجياً لحلمي الوحيد المتفرد ذاك. إن الكلام في كل مكان ولست بهذا الكلام الذي أطرحه عليك إلا بقدر ما يحمله إليك الكلام من طويتي الساكنة، إذن لا تحسبيني جاهلاً قبل أن تفحصي ذاتي الخفية، ولا تتوهميني عبقرياً قبل أن تجرديني من ذاتي المقتبسة، إنني أعترف أمامك وعلى الملأ بما أقلقني وأقض مضجعي منذ الأزل: في أية حالة من حالات الوجود كانت نفسي قبل أن تبني الليالي هيكل نفسي، سبحت في فضاء اللانهاية بحثاً عن جوهر نفسي وطرت في عالم الخيال واقتربت من دائرة النور الأعلى، وها أنا الآن سجين المادة في حضنكِ المنيع، لم أعلم عن جوهر نفسي أي شيء، لكنني خلصت إلى أنني كنت منذ الأزل وسأكون إلى آخر الدهر، فوعيي أنا هو ضمانة أكيدة للكون، إنها الضمانة الوحيدة من نوعها، من هنا كان انصرافي إلى الوحدة النفسية والعقلية والدنيوية والسماوية. تستطيعين بدورك أيتها الأرض أن تصبحي ثمرة في شجرة المعرفة الكلية التي تمتد عروقها في أعماق الأزل وترفع غصونها إلى أعماق الأبد، على الرغم من أن نوافذك شغفة بأمور إنياتها غافلة عما فيها من الحق، وبعد، إن اختفى وجهي وافتقدت أناي فهل يتحطم حلمي، يقول الأنا المطلق جبران في سياق هذا التساؤل: “أليس في هذه الغابة غير ما تراه عيني من الأشجار الباسقة والنباتات المتعرشة والأزهار العطرة؟ أليس فيها غير ما تسمعه الأذن من أنغام الأطيار ووسوسة الجنادب؟ أليس فيها غير ما تشربه حواسي من الصورة والأصوات والأرواح؟ أنا مقتنع أن ما نعرفه عن هذا العالم لا يتجاوز ما تتناوله وترسمه حواسنا على صفائح أنفسنا، أما حواسنا فلا تتناول إلا القليل التافه من الكائنات المحيطة بنا لأنها قاصرة ومحدودة وغير مدربة وذرائعية في تصميمها، أرى وأسمع بأذني وأشم بأنفي وألمس بأصابعي ولكن هلهنا في هذه الغابة صور وأشباح لا تدخل باطني من باب السمع ولا من نوافذ النظر ولا من شقوق اللمس. في هذه الغابة عاقلة خفية. حياة هيولى تتولد وتتناسخ وهي ذات فكرة وميول ولها طبائع ومنازع وأنا لا أستطيع أن أراها وأسمعها لأن أجسادها من مادة أدق من النظر في عيني ولأن همسها ألطف من السمع في أذني”.

وفي أكثر من معرض أكد جبران أن الفضاء الخارجي يعج بالمفارقين. من هذا المفترق يتساءل الإنسان المطلق عن طبيعة تساؤله، إنه موجة متلاطمة مرتدة من عواطف متأججة تأسر كل كيانه: “أليس القانون الكوني الذي نخطه على الورق وتنجادل فيه، أليس هذا القانون بدوره حمى تنتابنا، أليست هذه العاطفة هذه الحمى التي نخافها ونرتجف لمرورها في صدورنا جزءاً من ناموسنا الكلي الذي يسير القمر حول الأرض والأرض حول الشمس والشمس وما يحيط بها صانعاً الألوهة حول الألوهة”، إن كانت العاطفة روح الكون بينما الكون كائن عاقل خلو من العاطفة، أليس هذا ما يزعمه بناة العالم ممن تحملينهم على ظهرك أيتها الأرض متصورين أبداً أن خيوط الكينونة إنما تبدأ في أيديهم وتنسل من ثم إذ فيها تنتهي، وهم عندما يبرزون يدأبون على إلغاء مصطلح أهمية الحقيقة بما تتضمنه من رجعة وعودة. إن الرجعة أو العودة، إنما هي في نطاق الرسالة وحسب، إنهم يرمون إلى تثبيت بقاء ذراتهم في الأغلفة الخارجية المعدة خصيصاً لتصورات الحواس وينكرون ما جعلت الأغلفة من أجله إنهم يقررون خلود العناصر ويشكون بخلود المعنى، يجب أن ننأى بأنفسنا عن الاستحالة الموضوعية التي يحاول هؤلاء البناة فرضها علينا والتي يعرضونها في صيغة حتمية تكوينية هندسية تلف الذرات أبداً ودائماً، نقول بلسان جبران: إن كل موجود باق ما بقيت الرسالة الجبرانية أما دليل بقاء الموجود المتمثل بوجودك فهو المعنى المعطى، لولا الفكرة، المفهوم، وبشكل أدق المعنى، لما كان العالم موجوداً، ولما علم العالم أنه موجود أو غير موجود، إن المعنى كيان أزلي أبدي خالد لا يتغير إلا ليتجوهر، ولا يختفي إلا ليظهر بصورة أسنى ولا ينام إلا ليحلم بيقظة أبهى إن التذهنية المجردة المعطاة في صيغة اتصال محكم لا ثغرة فيه ولا غياب له لقادرة على إضفاء المعنى حتى إن غابت الذرات، أوليست الذرات كيانات مخلخلة تسبح في محيط المعنى، تطمح أن تكون عاجزة عن بلوغه والتعبير عنه، إن الذرات أعراض عابرة تتجمع في هيئة دروب ومسالك تقارب الجوهر المطلق دون أن تصله، الجوهر المطلق هو بذاته المعنى يتقلب من معنى لآخر، ولا غرو في ذلك فالمعنى هو نفسه المعنى ومعنى المعنى، أما الذرات القادمة والمندثرة والمتجمعة فما هي إلا تشويش طي تشويش، المعنى كبير في بنيته تحاول الذرات تصغيره، المعنى لا بدء له ولا نهاية تخونه الذرات متجمعة في تكوينات عند لحظة مفككة إياها في لحظة تالية، المعنى لا يستأثر إذ ما إن يولد حتى يفسح المكان لمعنى مغاير كلية، المعاني التي تمتلكها الذرات تصبح مصادرات، المعاني التي تتجاوز الذرات هي نور الألوهة المقبلة، عالم الذرات هو أبداً الماضي، أما الألوهة فهي بالتعريف المستقبل إن المعنى إذ يكتشف ذاته يطرح على ذاته فيضاً من التعاريف، في مقدمتها تعريف الألوهة ذاك، كان التجاوز دأب جبران بنفاذ بصيرته ما يميز المعاني المتسامية، من هنا كان تأكيده على اختلاف مفهوم الألوهة لدى كل إنسان واستحالة أن يعطي إنسان دينه الخاص به لإنسان آخر، يرنو المعنى إلى الذرات بإشفاق محاولاً لفت أنظارها هكذا صاغ جبران مثلاً خاصاً به أشبه بمثل دستويفسكي دعاه يسوع ابن الإنسان، واختصاراً يسوع الناصري، لم يحاول جبران ولوج عالم الأديان كما فعل ميخائيل نعيمة عندما دوّن إنجيله الخاص: مرداد. إن يسوع الناصري هو المعنى الجبراني، لكنه ليس الرسالة الجبرانية، لقد ميز جبران معناه عما هو متداول في أروقة البنى الذرية، إذ أشار أنه “في كل مئة سنة يلتقي يسوع الناصري بيسوع النصارى في حديقة بين جبال لبنان، فيتحادثان طويلاً وفي كل مرة ينصرف يسوع الناصري وهو يقول ليسوع النصارى: أخشى يا صاحبي اننا لن نتفق أبداً ابداً”.

إن الذرات المنشغلة عن بناها برفد المعنى هي الحياة الجديرة بأن تمنح قدسية متفردة من هذا المعنى وبهذا المعنى تنطلق الألوهة في رحلتها الأزلية مقتفية آثار خطى خلفتها هي دون غيرها، إن علة الحياة هي استشفاف المعنى المجرد للحياة، إن العود الأبدي هو عود الذرات تنحدر من عمق معنى جدير مغاير لتعود إلى محاولتها الالتصاق بالمعنى، لكنها ذرات متباينة وهو معنى مختلف.

إن كان الكون يضج بالحياة فستنتهي الحيوات الكونية المنفصلة عن بعضها إلى كائن مطلق موحد في المستقبل البعيد، إن اللغز في تجسيد الحياة بأفراد معزولين منفصلين يتمثل كل منهم الكون على انفراد، أو بشكل مكافئ يخلق كل منهم كونه الخاص، هو عجز المادة عن التكتل في بنى غير منتهية تتحول إلى متصلات تليق بالعودة إلى المعنى. نجد علة ذلك فيما تمليه نواميس الفيزياء خاصة مبدأ باولي الذي ينص مثلاً على استحالة تجمع الكترونين متماثلين عند نفس النقطة من عالم المكان والزمان. من هنا كان لا بد للحياة من أن ترسم سمة خارقة تعرفها وتترجم إلى مقدرة غير محدودة للحياة على إيجاد مأوى لها في كل الظروف ومهما كانت الاشتراطات، تتلاءم الحياة إذن مع كل ما يحيط بها متناغمة مع كل المتغيرات، تذهب النظريات الفيزيائية الأكثر تقدماً إلى أن مآل كل الجسيمات المادية بما فيها الجسيمات البالغة الاستقرار كالبروتونات والالكترونات هو التحلل والاندثار، باختصار سيتحول الكون إلى طاقة في مستقبل موغل في البعد، إن كانت الحياة قادرة على التكيف فعليها عندئذ أن تتحول بما يسمح لها أن تنبث في تلك الطاقة.

ولما كان بمقدور الطاقة بعكس المادة، أن تتكتل وتتجمع دون حدود أو قيود سيتحقق إذ ذاك كائن طاقي واسع واحد يملأ الكون من أقصاه إلى أقصاه ويجمع كل خبرات الحيوات والحضارات التي شهدها الكون عبر تاريخه، إن غاية الكائن المطلق التالي لن تفصح عن نفسها على خلفية الهشاشة والمستنقعية الاجتماعية اللتين تستقطبان الجموع البشرية، وحدهم الأنبياء يستطيعون رفد ذلك الكائن المستقبلي في لحظة الآن الجبرانية بما يتدفق من أفئدتهم الطيبة وما يترتب على عذاباتهم العظيمة.

ذلكم هو سطر من الرسالة الجبرانية قد خط وفض، وما زلنا في مطلع الرسالة الجبرانية في مستهلها، هي رسالة جبرانية، لكن لا علاقة لها البتة بجبران الشخص، إنها تنتسب إلى التوق الجبراني لتحقيق خلود المعنى، لفك إسار المعنى من قيود الزمان والمكان، لاختزال المعنى إلى كل المعاني ولإسقاط مجموع المعاني على كل معنى، وهاهنا يتفجر التساؤل مرة أخرى:

إن اختفى وجهي وافتقدت أناي فهل يتحطم حلمي؟

إن كنا في مطلع الرسالة فيجب ألا نخط سطراً منها ونمحو، إن الرسالة الجبرانية هي الإرادة الطيبة للذاكرة الكونية، إنها واجب حل الهم الوجودي بمسح كل وجود ممكن وكل وجود غير ممكن، فهناك في آن مغاير يسعى الغرباء إلى التوحد مع الرسالة الجبرانية، والآن هنا ينبري المشاركون غير المكاشفين لدفع إسهاماتهم غير المألوفة إلى تلك الرسالة، إنها أمنية النبي أن يحترق وأن يمضي من ذاكرة الزمان إلى فراغ الأزمان حيث تتلاقى المعاني بعد أن تتجرد من أفكارها، تبقى الفكرة بفعل العطالة والعطالة هي نذير الموت. إن المعنى هو وعاء الفكرة ومفسرها، إن المعنى بهذا المعنى متحرر من كل قيد، تحقق الفكرة ذاتها بجنوحها إلى الديمومة ويتأجج الوجود المعنوي بالمقدرة الفائقة للمعنى على ألا يوجد بينما يكون موجوداً: “وبعد أن اختفى وجهي وافتقدت أناي فهل يتحطم حلمي؟ قليلاً ترونني ولا ترونني، وقليلاً لا يرونني ويرونني” حيث التماسات المتسامية لتأليف المعاني وتوحيدها وإطلاقها باعتبارها المطلق.

الناي فكرة والعزف فكرة، وأنين الناي هو المعنى:

“أعطني الناي وغـنِّ … فالغنـا عزم النفـوس

وأنين النــاي يبقى …  بعد أن تفنى الشموس

نجد في الموسيقى معنى منفصلاً أتت على ذكره الرسالة الجبرانية:

“أعطني الناي وغـنِّ … فالغنـا سر الخلـود

وأنيـن النـاي يبقى … بعد أن يفنى الوجود” 

في عقيدتي أن من يبعد الموسيقى عن قلبه تقصيه الحياة عن قلبها: “في ملتي أن أقرب الناس إلى قلب الحياة هم الموسيقيون الذين ولدوا وفي أرواحهم نغمة من الملاء الأعلى وفي حناجرهم وعلى أصابعهم بهاء من غبار النجوم، وفي اعتقادي أن أولى الناس بالشفقة هم الذين يعيشون أمام الشمس وآذانهم وصدورهم موصودة دون الألحان والأنغام، والموسيقى لغة روحية عامة رغم ما في مظاهرها من السطحية من مخالفة متباينة إلا أن الأذن المهذبة موسيقياً تستوعب وتفهم ما يقوله الصيني بمزماره الفرد مثلما تفقه ما يقوله الألماني بمجموع آلاته.

إننا نخطئ إذ نشتق المعنى من البنية الإعرابية للرموز الأبجدية التي نتناقل الأفكار بموجبها، تكتب الموسيقى بدورها على خلفية أبجدية خاصة، لكنها، أي الموسيقى تتجاوز تجاوزاً جبرانياً أية إمكانية لاستجرار المعنى من الجمل المخطوطة، إنها تحث كل منا على خلق معنى خاص به يستحيل استشفافه من قبل الآخر، بهذا المعنى وهذا المعنى فقط تعتبر الموسيقى خاصة والفنون عامة أوسع من كل الأطروحات الأخرى التي تأخذ باللب البشري الجمعي، الفن يطير بنفسه إلى جوهر الحياة المجرد، إن الفن بالنسبة لي أبعد من الأشياء التي نراها ونسمعها، إذا كان العلم سلماً ترفع الإنسان إلى ما وراء الكواكب، فأنت أيها الفن العزم يبني ويبقي درجات تلك السلم.

“أعطني الناي وغـنِّ … فالغنا خير العلــوم

وأنين النــاي يبقى … بعد أن تطفـا النجوم”

إن الباحث عن المعنى ليسأل عن الموقع، أوليست الفكرة بنت موقعها، فهنا مجرة وشمس تطوف حول مركزها، وعلى صخرة صغيرة في حيز من الفضاء الشمسي تتوالد وتتكاثر الأفكار متلاطمة متضادة، تزعم كل فكرة أنها البداية بقدر ما هي النهاية غير آبهة بالمعنى الذي لا وجود لها دونه، إن الفكرة لتذهب إلى حد غسقاط المعنى، من هنا كانت محدودية الجغرافية في هذا السياق هي زمان ومكان صاحب الفكرة، يذهب الفيزيائيون المتقدمون مذهباً مخالفاً، الزمان والمكان وفق هؤلاء هما نمطان من أنماط الإلهام الذي لا ينفصل عن الإدراك، الزمان والمكان هما زمان ومكان الآخر، فلا زمان ولا مكان للراصد، وفق المصطلحات الجبرانية لا زمان ولا مكان لي، لقد تنبأ جبران بالمفاهيم الفيزيائية المعاصرة قبل طرحها بعقود طويلة، ليس الفضاء فضاء بين الأرض والشمس لمن ينظر إليه من نوافذ المجرة، لو لم تكن المجرة في أعماقي فكيف كان يمكن أن أراها أو أعرفها، إن ما يترنم ويتأمل فيك لا زال قاغطناً ضمن حدود تلك اللحظة الأولى التي نثرت الكواكب في الفضاء، الغبار الكوني، إنه موطن النفس التي سعادتها في الغبار الذهبي الذي تنثره النجوم على سطح الأرض، إن كان الزمان والمكان زمان ومكان الآخر فلن يجد الساعي إلى المعنى ضالته الزمانية المكانية لدى الآخر، أنا غريب في هذا العالم، أنا غريب وقد جبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد مسقط رأسي ولا لقيت من يعرفني ولا من يسمع بي، أنا غريب في هذا العالم، أنا غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسي، سأبقى غريباً حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني، فلولا رغبة نقية اختلجت في قلب أم طاهرة لكنتُ جردتُ نفسي من أقمطتي وهربت راجعاً إلى الفضاء، إلى حيث المعنى، إلى حيث لا أدري وأدري، إلى حيث الجود بالمعنى في البدء والختام، إلى أعمق أعماقي حيث الظلمة الكونية الدامسة والصمت النجومي السرمدي وسأعود.

ومع جبران دائماً، ننشد ترانيم المعنى الأزلية نغني قصيدة الليل الكوني السرمدي الباطن المحجوب في الظاهر:

يا ليل العشاق والشعراء والمنشدين

يا ليل الأشباح والأرواح والأخيلة

يا ليل الشوق والصبـابة والتذكار

أيها الجبار الواقف بين أقزام غيوم المغرب وعرائس الفجر، المتقلد سيف الرهبة، المتوج بالقمر، المتشح بثوب السكوت، الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة، المصغي بألف إذن إلى أنة الموت والعدم، أنت ظلام يرينا أنوار السماء، والنهار نور يغمرنا بظلمة الأرض، أنت أمل يفتح بصائرنا أمام هيبة اللانهاية، والنهار غرور يوقفنا كالعميان في عالم المقايسس والكمية.

بين طيات أثوابك الزرقاء يسكب المحبون أنفاسهم، وعلى قدميك المغلقتين بقطر الندى يهرق المستوحشون قطرات دموعهم وفي راحتيك المعطرتين بطيب الأودية يضيع الغرباء تنهدات شوقهم وحنينهم، فأنت نديم المحبين وأنيس المستوحدين ورفيق الغرباء والمستوحشين.

في ظلالك تدب عواطف الشعراء، وعلى منكبيك تستفيق قلوب الأنبياء، وبين ثنايا ضفائرك ترتعش قرائح المفكرين، فأنت ملقن الشعراء والموحي إلى الأنبياء والموعز إلى المفكرين والمتأملين.

لقد صحبتك أيها الليل حتى صرت شبيهاً بك، وألفتك حتى تمازجت ميولي بميولك، وأحببتك حتى تحول وجداني إلى صور مصغرة لوجودك، ففي نفسي المظلمة كواكب ملتمعة ينثرها الوجد عند المساء وتلتقطها الهواجس في الصباح وفي قلبي الرقيب قمر يسعى تارة في فضاء متلبد بالغيوم وطوراً في خلاء مفعم بمواكب الأحلام، وفي روحي الساهرة سكينة تبيح بمفاعيلها سرائر المحبين وترجع خلاياها صدى صلوات المتعبدين، وحول رأسي غلاف من السحر تمزقه حشرجة المنازعين ثم تخيطه أغاني المتشببين.

أنا مثلك أيها الليل، وهل يحاسبني الناس مفاخراً إذا ما تشبهت بك وهم إذا تفاخروا يتشبهون بالنار.

أنا مثلك وكلانا متهم بما ليس فيه.

أنا مثلك بميولي وأحلامي وخلقي وأخلاقي.

أنا مثلك وإن لم يتوجني المساء بغيومه الذهبية.

أنا مثلك وإن لم يرصع الصباح أذيالي بأشعته الوردية.

أنا مثلك وإن لم أكن ممنطقاً بالمجرة.

أنا مثلك، أنا ليل مسترسل منبسط هادئ مضطرب وليس لظلمتي بدء ولا لأعماقي نهاية

الإعلانات

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s