من روائع الادب اللبناني ” فؤاد سليمان” … البــلابــل الحمـــراء


فؤاد سليمان 1911-1951

ولد في بلدة “فيع” من الكورة، وتلقى علومه الابتدائية في مدرسة ” دير البلمند” ، ثم تخرج من كلية “الفرير” في طرابلس.
درّس الأدب العربي في المعهد الشرقي، في جامعة القديس يوسف في بيروت، وعلّم في الكلية الثانوية العامة في الجامعة الأميركية في بيروت ثلاثة عشر عاماً، وتولى رئاسة تحرير مجلة ” صوت المرأة ” لمدة عامين، وكان من المؤسسين لجمعية ” أهل القلم ” في لبنان.
من كتبه: “تموزيات” و “أغاني تموز” و”درب القمر” والقناديل الحمراء”.

البــلابــل الحمـــراء

… وماذا بعد يا بلبل ؟
ماذا ؟ عن ضيعتي البيضا، التي تغرق في النور ؟
.. أفي منقادك الأحمر، حبة من ترابها ؟ حبة واحدة يا بلبل، القها على شبّاكي ! ؟
وهل فيه ورقة خضراء من سنديانها ؟
وهل مرغت جناحيك بأطياب ورودها ونرجسها ؟
وحنجرتك ؟ أفيها من غناءات صبايانا يا بلبل ؟
كيف غابه النرجس ؟
هل بعد فيها، من ذات الفستان الزهري، ما فيها ؟
ماذا يا بلبل، عن ضيعتي ؟
فرفّ البلبل، الذي على شبّاك غرفتي، بعينيه، يهّم بالبكاء…
كان جناحاه مبتلّين من نفانف الثلوج.
في العاصفة، جاء اليّ من الجبل !
عرفته من منقاده الأحمر.
هذا من بلابل ضيعتي،
في ضيعتي تعيش البلابل ذات المناقيد الحمراء

*
ويا بلبل…
سألتك، يا ذا الحنجرة الذهبية بالغناء الذي فيها ؟
باسم الخضرة والحمرة، والألف لون ولون.
بالشقائق الحمراء، التي تهل أوراقها على لمسة الندى !
ونرجس الغابة، التي لقيتني مرة فيها، أنا وذات الفستان الزهري…
وتلك الياسمينة، على بوابة بيتها… تلك الخيمة الخضراء من الياسمين الأبيض.
يا ذا المنقاد الأحمر… حدّثني عن ضيعتي…
عن تلك الحفافي !!
هل نبتت فيها الورود البرية ؟
وهل طلع ” بخور مريم ” في الصخور ؟
وهل اخضّرت أوراق السنديانى الكبيرة، في كرمنا، على الدرب..
… وبيت الحبيبة، هل انفتحت شبابيكه المغلقة، وشرّعت درفاتها في النور ؟
عن النجوم… والقمر… ودروب القمر والنجوم هناك…
فرفّت عينا البلبل، رفيفاً موجعاً.
وكأن قلبه طفح من عينيه، فانفلت من غصن الشجرة الى حديد النافذة…
ولفّ جناحيه على منقاره.
وسمعته يتهامس بأغنية ” المرايا المنطفئة “.
غنّاها غلى شبّك غرفتي…
كانت كأنها الضوء الذي تتهاوى فيه الشعلة الأخيرة…
وكأنها من خيطان القمر في ضباب الغيوم.
ومن لهاث الطيب في الوردة قبل أن تموت.
وكانت، كأنها جنازة في عرس.
سمعت البلبل يتهامس :
“… في الربيع… حينما تطلع الزنابق على التلة.
وتنشر الأطياب في التراب.
… في الربيع… حينما يعود الحب الى غابة النرجس…
في غد… تكون البلابل الحمراء في ضيعتكم، قد رحلت الى أمكنة بعيدة بعيدة…
لن يبقى بلبل واحد، في تلك الجبال، يعرف الغناء…
لمن تغّني البلابل، في ضيعتكم، وما في ضيعتكم بعد غصن تحطّ عليه البلابل ؟
وما فيها بعد، خصر صبيّة يغمر الزهر أو يغمره الزهر.
وما عندكم بعد، أنف يستطيب الشم.
ولا يد تعرف القطف…
ولا بعد، فم يتذوّق الطعمة الطيبة في الفم.
وما في ضيعتكم بعد، عروة قميص أبيض، تعرف كيف تشكّ زر الورد الأحمر.
ولا عنق أبيض يموت عقد الياسمين على بياضه…
لمن تغني البلابل في ضيعتكم، ودروبها، لا يغنج فيها قوام، ولا تنوجع عين على حبيبه..
لمن تغني البلابل في تلك الجبال ؟
وما فيها بعد، فتى تنسرح حنجرته في مدة غناء…
رعيانكم… تلك الحناجر البرية، لم يبق لهم أصداء في تلك الأودية ؟
خيمة الياسمين، تلك، تيبس يباساً موحشاً.
ومساكب الورد الجوري هناك، هرّت على التراب..
وشبابيك بيتهم الغربي، ما تزال مقفلة، بعد أن راح أهله مع البحر..
والليل عندكم ثقيل.. تطلع النجوم، ويطلع القمر.
فلا النجوم، في سمر العشايا، ولا القمر.
وفي غد, تركب البحر، قافلة أخرى من شبابكم وصباياكم..
وتنقفل شبابيك بيت آخر في ضيعتكم الى الأبد..
وتبقى الليالي، وحدها، موحشة.
وتبقى عجائزكم، تشيّع عيونها على البحر… تتلمس أيديها الأسرّة المهجورة…
بعضكم في البحار السبعة، وراء القصور المرصودة..
وبعضكم هنا، عينه على البحر دائماً.
وبعضكم في المدينة العمياء، التي لا تسمع ولا ترى، يزحف وراء القرش البغي والرغيف الأسود.
وماذا لكم في أرض الغربة أيها الغرباء، غير لوعة الغربة ومرارتها..
ولكم بعدها، شبر من الأرض تشترونه بالمال، قبراً غريباً لانسان غريب.
وتسألني ! ماذا في ضيعتكم.
وتسألني، ماذا عن ضيع لبنان، تلك الزمردّات الغاليات، المعلقات في الأعالي..
وماذا غير الخراب !
وماذا عن بلد، لن يبقى فيه غير أكوام من الشيوخ المنحطين ؟
ولو أن للبيوت المهجورة أن تقول، لقالت :
لم عمّرتموني للخراب ؟

ولو أن للأرض البور أن تقول، لقالت :
لم تركتموني لليباس ؟
ولو أن للقبور أن تقول، لهتفت القبور :
عودوا أيها الغرباء، الى ترابي.. فلن تطمئن عظامكم في أرض غريبة!

*
وكأني سمعت في بحّة الليل شهقات أمهات ضيعتي في ساعات الوداع.
وكأني رأيت تلويح المناديل البيضاء…
وكأني…
– اذن يا بلبل، لن تهتف البلابل على طلّة الشمس من وراء جبالنا العالية ؟
ولن تشيع الفرحة في ضيعتنا.
ولن تهتف البلابل الحمراء يا بلبل ؟
فمدّ البلبل منقاره الأحمر.
وهمس…
ضيعتكم التي على التلة البيضاء مرآة تنطفيء…
ولمن تغني البلابل في القرى المنطفئة ؟؟

أيار 1950

الإعلان

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s